بعد مرور أكثر من عام على تفجيرات أجهزة النداء (البيجر) التي استهدفت عناصر من “الحزب” في لبنان في واحدة من أكثر العمليات الأمنية غموضاً وصدى في تاريخ الحزب، كشف اللواء محمد رضا نقدي، مساعد قائد الحرس الثوري الإيراني لشؤون التنسيق، تفاصيل جديدة تشير إلى أن إيران كانت قد حذّرت الحزب مسبقاً من استخدام تلك الأجهزة.
تحذيرات إيرانية سابقة
وفي مقابلة تلفزيونية بثّتها وسائل إعلام إيرانية مساء الأحد، قال نقدي إن طهران نبهت قيادة “الحزب” إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بأجهزة النداء التي حصل عليها من جهات خارجية، مضيفاً أن الحزب اختار المضي في استخدامها رغم التحذيرات.
وأوضح اللواء الإيراني أن مسؤولي حزب الله ردوا بأن هذه الأجهزة كانت أرخص ثمناً من النماذج التي عرضتها إيران عليهم لتأمين الاتصال الميداني، مشيراً إلى أن القرار باعتمادها تم بناءً على دواعٍ مالية ولوجستية لا أمنية.
انفجارات هزّت لبنان
وتعود الحادثة إلى يومي 17 و18 أيلول 2024، حين شهدت مناطق عدة في لبنان، ولا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، سلسلة من الانفجارات المفاجئة التي طالت أجهزة النداء (البيجر) وأجهزة الاتصال اللاسلكي “توكي ووكي” بحوزة عناصر من الحزب.
وقد انفجرت المئات من تلك الأجهزة بشكل متزامن تقريباً، ما أدى إلى إصابة نحو 3 آلاف شخص، بينهم عناصر من حزب الله ومسعفون ومتطوعون من فرق طبية مرتبطة به، إضافة إلى مدنيين كانوا في مواقع قريبة من التفجيرات.
وأشارت التقارير الطبية حينها إلى أن أغلب الإصابات تمحورت في العيون والأيدي والوجوه نتيجة طبيعة الانفجار واتصال المستخدم المباشر بالجهاز أثناء تشغيله.
عملية استخباراتية معقّدة
وبعد تحقيقات أمنية داخلية ومتابعات استخباراتية دولية، تبيّن أن العملية كانت من تخطيط وتنفيذ جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي تمكّن خلال أشهر وسنوات سابقة من اختراق سلاسل التوريد وتزويد الحزب بأجهزة نداء مزوّدة بمتفجرات بلاستيكية دقيقة.
ووفق ما كشفته مصادر استخباراتية لاحقاً، فقد تم تصميم هذه الأجهزة خصيصاً لتبدو أصلية ومطابقة للمواصفات التجارية، بينما كانت تحتوي داخل بطارياتها على مادة شديدة الانفجار تُعرف باسم PETN، بالإضافة إلى مفجّرات صغيرة غير قابلة للكشف عبر الأشعة السينية، ما جعل اكتشافها شبه مستحيل حتى عبر التفتيش التقني الدقيق.
اختراق إلكتروني وخداع ممنهج
كشفت التحقيقات أيضاً أن إسرائيل أنشأت متاجر إلكترونية وهمية ومواقع تجارية عبر الإنترنت، إلى جانب محتوى تسويقي مزيف لإقناع مسؤولي “الحزب” بأن تلك الأجهزة آمنة وذات خلفية تقنية وتجارية موثوقة.
وبذلك، تمكّن الموساد من تنفيذ عملية اختراق مزدوجة — تقنياً ولوجستياً — استهدفت بنية الاتصالات الميدانية للحزب، في عملية توصف بأنها الأكبر من نوعها منذ تأسيس “الحزب” في ثمانينيات القرن الماضي.
ضربة قاصمة وخرق أمني غير مسبوق
وُصفت التفجيرات حينها بأنها ضربة قاصمة لقدرات الحزب الاستخباراتية والميدانية، إذ كشفت عن ثغرات خطيرة في أمن الاتصالات والتجهيزات التقنية داخل بنيته العسكرية.
كما اعتُبرت العملية رسالة إسرائيلية مباشرة إلى الحزب وحلفائه الإقليميين حول قدرة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على اختراق العمق اللوجستي للحزب من دون خوض مواجهة عسكرية مباشرة.
وبحسب المراقبين، فإن تصريحات اللواء محمد رضا نقدي الأخيرة تمثل إقراراً نادراً من مسؤول إيراني رفيع بأن إيران كانت على علم بالخطر لكنها لم تنجح في ثني الحزب عن استخدام تلك الأجهزة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول طبيعة التنسيق الأمني بين الطرفين ومدى فعاليته في مواجهة الاختراقات الإسرائيلية المتكررة.

