#dfp #adsense

خاص ـ المفاوضات: مباشرة أم غير مباشرة؟ (د. ميشال الشّمّاعي)

حجم الخط

خاص ـ المفاوضات: مباشرة أم غير مباشرة؟ (د. ميشال الشّمّاعي)

أثار حديث رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون عن إمكانية التفاوض مع إسرائيل، يوم الاثنين 13 تشرين الأول، أمام وفد من الصحافيين الاقتصاديين في لبنان، مختلف المراقبين، إذ قال ما حرفيّته: “سبق للدولة اللبنانية أن تفاوضت مع إسرائيل برعاية أميركية والأمم المتّحدة ما أسفر عن اتّفاق لترسيم الحدود البحريّة. فما المانع أن يتكرّر الأمر نفسه لإيجاد حلول للمشاكل العالقة، لا سيّما أنّ الحرب لم تؤدِّ إلى نتيجة. الجوّ العام اليوم هو جوّ تسويات، ولا بدّ من التفاوض، أمّا شكل هذا التفاوض فيحدّد في حينه. لا يمكن أن نكون نحن خارج المسار القائم في المنطقة، وهو مسار تسوية الأزمات، ولا بدّ أن نكون ضمنه، إذ لم يعد في الإمكان تحمّل المزيد من الحرب والدمار والقتل والتهجير.

مضى أسبوع بالتّمام، وما زالت الأوساط السياسيّة مرتبكة من هذا الموقف السيادي والوطني. فبعضهم بات يطرح التفاوض غير المباشر على قاعدة اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة، معتبرًا أنّ الشرط الأساس لذلك يكمن في وقف الاعتداءات الاسرائيلية ثمّ التفاوض. أي بمعنى آخر رفض التفاوض تحت التهديد أو النّار.

وهذا ما يتماهى بالطبع مع موقف منظمة “الحزب” الذي ترجمه عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي المقداد الذي أكّد رفض التفاوض المباشر وأن يكون التفاوض غير مباشر وعبر وسطاء، وألّا يحصل قبل أن تحقّق إسرائيل وقفًا فعليًّا للعدوان وانسحابًا من الأراضي المحتلّة، مهما طلب الخارج من لبنان الرّسمي ولبنان الشعبي نحن نرفض هذا الطلب رفضًا قطعيًّا”. واشترط “الحزب” مسألتين أساسيّتين: الأولى هي حفظ السيادة اللبنانية والثانية هي عدم التفريط في عقدة المقاومة أو سلاحه قبل تحقيق شروط لبنان.

مقابل ذلك، علت أصوات غير حزبيّة، بل اقتصرت على بعض الشخصيّات الفاعلة في الخطّ النقيض تدعو إلى التفاوض المباشر، معتبرة أنّ الأوان قد آن للتخلّص من هذه العقدة والدّخول في قطار السلام الذي يحمله الرئيس الأميركي للمنطقة، محذّرين من أنّ عواقب عدم الدّخول في هذا القطار ستجعل من لبنان غزة جديدة.

مقابل هذين الموقفين النّقيضين، برزت مواقف الأحزاب السياديّة التي دعمت موقف رئيس الجمهوريّة ضمنًا، فيما بدا الأكثر وضوحًا موقف رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع الذي ركّز على دور الدّولة الفعليّة في هذا الموضوع المصيري، واعتبر “الحكيم” أنّ أيّ خروج من دور الدّولة الفعليّة أو تسليم قرار الحرب والسلم إلى جهة غير الدّولة أو إلى أيّ جهات مسلّحة يعدّ “استمرارًا في وضع لبنان حيث لا دولة فعليّة”. وأي طرف يدير التفاوض غير الدّولة اللبنانية بشخص رئيسها المولج بهذه المهام من خلال المادّة 52 من الدستور التي تنصّ على ما حرفيّته: “يتولّى رئيس الجمهوريّة المفاوضة في عقد المعاهدات الدّوليّة وإبرامها بالاتّفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النوّاب عليها حينما تتيح مصلحة البلاد ذلك، على أن لا تكون المعاهدة نافذة إلا بعد موافقة المجلس، في الحالات التي ينصّ فيها الدّستور على ذلك. أمّا المعاهدات التي تتضمّن شروطًا تتعلّق بماليّة الدّولة، أو بأراضيها أو بحقوق اللبنانيين العامّة أو الخاصّة، فلا يمكن إبرامها إلّا بعد موافقة مجلس النوّاب”. يعني ذلك عمليًّا هرطقة دستوريّة لن تتكرّر كما حدث في سابقة ترسيم الحدود البحريّة في زمن تغييب الرئاسة اللبنانية، بتواطؤ علنيّ وصريح بين كلّ قوى المحور الايراني وحلفائه، ولا سيّما مسيحيّي 6 شباط 2006.

فلا ينقص جماعة التفاوض الماضي سوى أن يقولوا: لا ثقة لنا بالتفاوض الذي سيديره فخامة رئيس الجمهوريّة، لأنّه لن يكون مرتبطًا بالقرار الإيراني الذي مثّله في مرحلة التفاوض البحري رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ضاربًا عرض الحائط كلّ ما تضمّنه نصّ المادّة 52 من الدستور اللبناني. ويتباكون اليوم على تطبيق الدّستور بعدما أفرغوه من مضمونه كلّه!.

كلّنا ثقة بحكمة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الذي أظهر حتّى هذا اليوم تمسّكه بتطبيق الدّستور اللبناني حرفيًّا، كما قال في خطاب قسمه. أمّا بالنسبة إلى التّهديدات التي ما فتئت أبواق المنظّمة المتهالكة بإطلاقها، فلا تعدو كونها بضعة فقّاعات صابون فقعت حتّى قبل أن يلمسها الهواء.

الجرأة اليوم تقتضي بمواكبة التغيرات الجيواستراتيجية في المنطقة والحفاظ على الكرامة الوطنية عبر تطبيق الدّستور اللبناني في ما يتعلّق بهذه المتغيّرات، بهدف الوصول إلى تحديث هذا الدّستور بعدما نجح فخامة الرئيس بدعم من أكبر تكتّل نيابي بتحقيق التحرّر السياسي. يبقى، هل ستلتحق الدّولة اللبنانية بقطار التغيير هذا، أم سيجرّها “المحور” إلى عمليّة الانتحار الجماعي على قاعدة المثل الشعبي اللبناني المعروف: نكاية؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل