#adsense

فوزي الشويفاتي.. وطن بين بلاَّ ودرب السِّيم

حجم الخط




سيرة هذا الفتى الشويفاتيّ البلاَّوي اكتشافٌ لعقيدة إيمانيَّة لبنانيَّة أعتنقها ويعتنقها شعب عيشته ذاتَ نمطٍ سورياليّ، عاشها خارجًا عن الواقع المألوف والمضمون، وأزماتٌ وجودية مصيريَّة داهمته وتداهمه كلَّما غيَّمت في الصين وأمطرت فوق جزر القمر… رفاق فتى بلاَّ منذ مطلع أعمارهم العشرينيَّة تمنطقوا وإيَّاه آية نكران الذات: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”، ولا حرج إن كان المتبوع هو يسوع ابن الرب أم هو موطن أرز الرب، أنَّ هؤلاء المشبَعين بهمم العزَّة والكرامة قد تابعوا تنفيذهم قرار ربطهم مصيرهم الشخصي بمصير وطنهم، وتتبَّعوه حتى نزف الجرح وشهقة الروح!!

 

فوزي بطرس الشويفاتي

والده كان له والدًا نشَّأه وقلعةً لاذ بها طفلاً وانطلق منها مقاومًا. والدته كانت نجمة ميلاده، وحارسة سريره وفتوَّته ويديه اللتين تناول بهما خبزها، مقدِّمة لخبز مناولته الأولى منطلقًا إلى القربانة الألوهية من بيوت ورديَّتها. من فوزه بمحاصيل أقلامه ودفاتره وكتبه، سعى إلى الفوز بأحقيَّة مواطن أن يصبح كيانًا ذاتيًا من كيان أمتِّه اللبنانية الموصوفة بذاتها، منذ أول أيام سفر التَّكوين اللبناني.

بطرس كيفا بيعة “ديرونا” كان القائد الأول الذي التحق به بكره فوزي منضمًا إلى قيادة والديَّة تمتلك مسحة نبؤة من أنبياء قاديشا المتنبِّئين عن مجيئ جيل من المؤمنين الكيانيين، وسموا جباههم باثنين رماد التَّذكُّر بأنَّهم المثل المتمم لآية حبَّة الحنطة تلك التي وإياها انصرفا إلى صيام التراب اللبناني قبل إفطاره على أفخارستيا التراب!

 

بلاَّ المعركة والذَّاكرة

هي أكثر من ضيعةٍ تتعلَّى في مصاعد جرد الجبَّة، إنَّها جبَّة خادم رعيتها الخوري الياس الشويفاتي الكاهن الذي على رتبة أحد 15 نوَّار 1977 يوم كانت درجات بيته إشارة انطلاق أولِّ الرصاصات على تنين الجاهلية البعثية القطرية الأسديَّة الزّاحف بأرتاله الشنيعة الكالحة من معرض الأفندي في مدينة الفيحاء… يوم ذلك الأحد النوَّاري رافق الفتى الشويفاتي والده للمشاركة في ذبيحة القداس عن راحة نفس “مَن ضربكَ على خدِّك الأيمن فدر له الأيسر”.. نعش شامل العنداري أول شهداء أبرشية 15 نوار البلاَّوية، كان الأيقونة المتجدِّدة عن عاصي مار دانيال حدث الجبَّة، وعن عاصي سيدة حوقا وجميع العصاة الدائمين على مخابز السلاطين وسيوفهم، وما الفرق بين جحافل سفَّاحي المماليك عام 1283 وجحافل سفّاحي الوحدات الخاصة البعثجية إلاَّ الاندحار المخزي أمام تلك الضِّيع الوادعة المسوَّرة بالقديشيّات والسَّماويات!!

 

فوز شعبِكَ من فوزِك

مخيم بلاَّ صيف 1975 منه انطلق المقاوم ابن المقاوم إلى أسطورة طائر الفينيق، فكان الشُّهبَ المتوهِّج الذي أيقظ نار تلك الأسطورة من غفوة الرَّماد. الوالد البطرسي يلاقي إنكشارية الأسادنة ملاقاة يوسف كرم لإنكشارية الأستانة، فيتمَّ أسره بشرَك الحيلة ثم يخرج من معتقله المرعب متفلِّتًا من حراسه الجزَّارين في غفلة أشبه بالمعجزة، وأمَّا مربى الرجولة والبسالة فوزي الابن فقد تنسَّك في الأحراج المجاورة طوال شهر بنهاراته ولياليه والرب والعذراء وضعته في ظلِّ حمايتها وأبعدت عن أولئك الوحوش الأشبه بوحش سفر الرؤيا!

الألماني

هو اللقب الذي التحم بالشاب الوسيم المحيَّا الرُّمحي القامة في إطلالةٍ ملؤها الرَّبيع. فوزي الزمرُّدي العينين معشوق الصبايا ومثير لفتات الفاتنات، قد سابقتهنَّ المتاريس إلى عشقه، فكان عريس أخطر الجبهات ومقدام ساحات الشرف من بلاد الجبّة وجرد البترون وصنو رجال دير مار شليطا القطارة المنتشرين في الجغرافيا اللبنانية وتاريخها، انتشارًا تبادل الاحتضان مع جميع مناطق خطوط التَّماس والقرى والبلدات الواقعة في عين العاصفة الغريبة الرعناء ومن مثل فوزي وأخوة فوزي بخبز الدم وملح السلاح، يخوضون معارك كرامة جميع بيوت أهلهم شمالاً وجنوبًا وجبلاً وعاصمة وبقاعًا. وأيام الوقوع في التجربة العظمى والخطيئة القاتلة والمواجهات الجلجليّة في جبل أيلول 1983 وإقليم فصول 1984 كان فوزي الشويفاتي القائد والمدرب والمختار أول الصفوف عند الدفاع وعند الاقتحام و”مطيَّر عبيّه” شاهد على مَن قاتل باللحم الحي سبعة أيام بنهاراتها ولياليها محسوم منها بضعة هنيهات للنوم وبضع دقائق لما تيسَّر من حطام الطَّعام!!

 

الجليلة أم فوزي

قبالة مغارة منطرة مغدوشة، انتظرت أم الله الحنونة عودة يسوعها من يوم زيارته الراعوية لأبرشية فينيقيا اللبنانيَّة متجوِّلاً بين أمارة صور وصرفة صيدا حيث أحيا بن الأرملة يائير. من برج سيدة المنطرة بالذات تحمل أم يسوع عيني أم فوزي وقلبها كي تنتظر بهم عودة فوزي من درب السِّيم إلى بلاَّ مرورًا بمملكة إيليج أمارة الشهداء حيث همزة وصل الحدود اللبنانية بالحدود السماوية!

أم يسوع وأم فوزي. بلاَّ ودرب السِّيم. فوزي القيدوم والألماني الوسيم ومساحة المدى اللبناني لن تكون إلاَّ من أزله إلى أزله، ومن أرزه إلى أرزه. أم المصلوب هي ذاتها أم الشهيد. وكما في السَّماء كذلك على الأرض إن نشيد الأوطان المفتداة واحد أحد لا يتغيَّر ولا يتبدَّل: “فليكن موت أبنكِ حياةً لطالبيها”!!!

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل