
يقف العالم الطبي اليوم على أعتاب ثورة غير مسبوقة في مجال الكشف المبكر عن السرطان، بفضل فحص دم جديد وواعد يحمل اسم “غاليري” (Galleri)، يُتوقع أن يُحدث تحولاً جذرياً في أساليب التشخيص والوقاية من المرض.
فحص دم ثوري يغيّر قواعد اللعبة
الفحص الجديد، الذي تخضعه هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) حالياً لتقييم دقيق، يتميز بقدرته المذهلة على رصد أكثر من خمسين نوعاً من الأورام السرطانية عبر تتبع الشظايا الجينية التي تطلقها الخلايا السرطانية في مجرى الدم.
ويتيح هذا النهج المبتكر الكشف عن السرطان قبل ظهور الأعراض بوقت طويل، ما يعزز فرص العلاج والشفاء المبكر.
ويُظهر “غاليري” مستوى عالياً من الدقة، إذ نجح في استبعاد الإصابة بالسرطان بنسبة 99.6% بين الأشخاص الأصحاء، كما تمكن من تحديد موقع الورم الأصلي بدقة بلغت 92%، وهي خطوة توفّر وقتاً ثميناً للأطباء وتختصر كثيراً من الإجراءات التشخيصية المعقدة.
تجربة “Pathfinder 2” تكشف نتائج مبهرة
أُجريت تجربة “باثفايندر 2” (Pathfinder 2) في الولايات المتحدة وكندا بمشاركة أكثر من 23 ألف شخص، وحققت نتائج وُصفت بـ “المبهرة”. فقد تمكّن الفحص من اكتشاف سرطانات لم تكن تُكتشف سابقاً بالفحوص التقليدية، مثل سرطانات البنكرياس والكبد والمبيض، وهي من أكثر الأنواع فتكاً وصعوبة في التشخيص المبكر.
وكشفت البيانات أن عدد السرطانات المكتشفة سنوياً ارتفع بأكثر من سبعة أضعاف عند دمج فحص “غاليري” مع البرامج التقليدية للفحص الدوري.
الأهم من ذلك، أن أكثر من نصف الحالات المكتشفة (53.5%) كانت في مراحلها الأولى أو الثانية، فيما تم التعرف على نحو 70% من الإصابات في مراحلها الثلاث الأولى، وهي المراحل التي ترتفع فيها نسب الشفاء بشكل كبير.
أرقام دقيقة من نتائج التجربة
61.6% من الأشخاص الذين أظهرت عينات دمهم “إشارة سرطان” تأكدت إصابتهم فعلاً بالمرض.
بلغت دقة تحديد موقع الورم الأصلي في الجسم 92%.
تم الكشف عن 53.5% من الحالات في المراحل المبكرة (الأولى والثانية).
وصلت دقة الفحص في استبعاد الإصابة بالسرطان إلى 99.6%.
هذه الأرقام تجعل من “غاليري” واحداً من أدق الفحوص الدموية على الإطلاق في تاريخ الطب الحديث.
تصريحات الخبراء
قال السير هاربال كومار، الرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة، إن هذا الفحص يمثل “خطوة حاسمة نحو تغيير مسار مكافحة السرطان”.
وأوضح أن غاليري يفتح الباب أمام الكشف المبكر عن سرطانات يصعب اكتشافها اليوم مثل البنكرياس، الكبد، الرأس والعنق، والمبيض، والتي عادةً ما تُشخّص في مراحل متأخرة عندما تكون فرص النجاة محدودة للغاية.
وأضاف:
“إن القدرة على اكتشاف هذه الأنواع في وقت مبكر ستغيّر بلا شك مستقبل الطب الوقائي، وتمنح الملايين فرصة حقيقية للنجاة.”
الطريق نحو الكشف الشامل
ورغم النتائج الباهرة، يؤكد الباحثون أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في إثبات قدرة الفحص على خفض معدلات الوفيات بشكل ملموس على المدى الطويل.
ومن المنتظر أن تُعلن نتائج التجربة البريطانية الكبرى خلال منتصف العام المقبل، والتي ستحدد ما إذا كان فحص “غاليري” سيُدمج رسمياً ضمن برامج الفحص الوطنية في المملكة المتحدة.
بداية عصر جديد في مكافحة السرطان
إذا أثبت الفحص فعاليته في المراحل القادمة، فإن العالم قد يكون على أبواب ثورة طبية جديدة تجعل الكشف المبكر الشامل للسرطان أمراً ممكناً، ما قد ينقذ حياة ملايين الأشخاص سنوياً ويحوّل السرطان من مرض قاتل إلى حالة يمكن السيطرة عليها بفضل قطرة دم واحدة فقط.