في اكتشاف علمي قد يغيّر النظرة إلى العلاقة بين النظام الغذائي والصحة النفسية، توصّل فريق من الباحثين في إسبانيا إلى أن حمضًا أمينيًا يُدعى “البرولين” (Proline)، الموجود بكثرة في بعض الأطعمة مثل لحوم البقر والجيلاتين والأسماك، قد يكون عاملًا مباشرًا في ظهور أعراض الاكتئاب لدى البشر، بل وحتى لدى الحيوانات.
تفاصيل الدراسة
أُجريت الدراسة من قبل علماء في معهد أبحاث الطب الحيوي في جيرونا (IDIBGI) بالتعاون مع جامعة بومبيو فابر في برشلونة، ونُشرت في المجلة العلمية Cell Metabolism، وهي من أبرز الدوريات المتخصصة في أبحاث التمثيل الغذائي والطب الحيوي.
قام الباحثون بمراقبة النظام الغذائي لمجموعة من المتطوعين، حيث تم قياس نسبة الأحماض الأمينية، وخصوصًا البرولين، في وجباتهم اليومية، إلى جانب إخضاعهم لاستبيانات دقيقة لقياس مؤشرات الاكتئاب ومستوى المزاج العام لديهم.
وفي الوقت ذاته، تم تطبيق التجارب نفسها على نماذج حيوانية، شملت الفئران وذباب الفاكهة (Drosophila)، وذلك لتأكيد العلاقة البيولوجية المباشرة بين تناول البرولين وتبدّل الحالة المزاجية.
نتائج غير متوقعة
أظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات البرولين في الدم يرتبط بشكل واضح بزيادة أعراض الاكتئاب، سواء عند البشر أو الحيوانات.
وقال الطبيب فيرناديز ريال، رئيس قسم العلوم الطبية في مستشفى جيرونا وأحد المشرفين على الدراسة:
“لقد فوجئنا بشدة من قوة الارتباط بين حمض البرولين وأعراض الاكتئاب لدى المتطوعين. لم نكن نتوقع أن يكون لهذا الحمض الأميني الشائع في الطعام تأثير مباشر على المزاج”.
وأضاف ريال، في تصريح لموقع “سايتيك ديلي” (SciTech Daily)، أن تحليلات الدم أثبتت أن الأشخاص الذين ارتفعت لديهم نسب البرولين في البلازما كانوا أكثر عرضة للشعور بالحزن وفقدان الحافز والقلق، وهي أعراض أساسية للاكتئاب.
البرولين في النظام الغذائي
يتواجد حمض البرولين طبيعيًا في العديد من الأطعمة البروتينية، منها:
اللحوم الحمراء مثل لحوم الأبقار.
الأسماك الدهنية كالسلمون والتونة.
الجيلاتين ومنتجات الكولاجين.
ويُستخدم البرولين في الجسم لبناء الكولاجين والحفاظ على مرونة الأنسجة الجلدية والعضلية، إلا أن زيادة مستوياته المفرطة قد تؤثر على وظائف الدماغ والناقلات العصبية المرتبطة بالمزاج.
تفسير بيولوجي محتمل
يفترض العلماء أن البرولين يؤثر على الميكروبيوم المعوي (البكتيريا النافعة في الأمعاء)، والذي يلعب دورًا رئيسيًا في التواصل العصبي بين الأمعاء والدماغ، وهو ما يُعرف بـ”محور الأمعاء-الدماغ”.
هذا الاضطراب في الميكروبيوم قد يؤدي إلى خلل في إنتاج السيروتونين والدوبامين، وهما من أبرز الهرمونات المسؤولة عن الشعور بالسعادة والاستقرار النفسي.
أهمية الاكتشاف
قال الدكتور ريال إن هذه النتائج تمثل منعطفًا جديدًا في أبحاث الاكتئاب، لأنها تُظهر أن التغذية ليست مجرد عامل ثانوي في الحالة النفسية، بل قد تكون مفتاحًا رئيسيًا لفهم أسباب الاكتئاب وعلاجه.
أضاف:
“لم يكن تأثير حمض البرولين يُؤخذ في الاعتبار سابقًا في الدراسات المتعلقة بالاكتئاب. الآن لدينا دليل على أنه يمكن أن يكون جزءًا من اللغز الكبير الذي يربط بين الغذاء والحالة المزاجية”.
نحو علاج غذائي للاكتئاب
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تطوير استراتيجيات علاجية جديدة تستند إلى تعديل النظام الغذائي بدل الاعتماد الكلي على الأدوية المضادة للاكتئاب.
ويأمل الفريق الإسباني أن تؤدي هذه النتائج إلى دراسات سريرية أوسع تركز على تأثير الأحماض الأمينية المختلفة على كيمياء الدماغ والمزاج، تمهيدًا لاعتماد ما يُعرف بـ”الطب الشخصي في الصحة النفسية”، الذي يعتمد على نمط تغذية مصمم خصيصًا لكل مريض.

