
ما يحصل على الحدود الشرقية مع سوريا، مسألة ذات دلالات كبيرة، خصوصاً وسط ما يحكى عن تململ كبير داخل الطائفة الشيعية، وفي ظل المخاض الصعب الذي تمر به إثر ما حلَّ بها من كوارث نتيجة تورُّط “الحزب” في حرب الإسناد، وتوريط الطائفة الشيعية ولبنان بأسره في هذا الأتون. فالمعلومات تتوالى عن عودة عائلات شيعية كثيرة نزحت من قرى بقاعية متاخمة أو متداخلة مع الحدود السورية، إلى قراها في هذه المناطق، على الرغم من أن الأسباب الموجبة التي دفعتها إلى النزوح من هذه البلدات إلى الداخل اللبناني، لم تنتفِ كلياً بعد، والمخاطر قد تكون ما تزال ماثلة.
لكن، وعلى الرغم من الأخطار التي ما تزال محدقة، فضلَّت عائلات شيعية كثيرة العودة إلى قراها وبيوتها المتاخمة والقريبة من الحدود مع سوريا، في ظل معلومات تتردد عن أن المساعدات التي وُعدت بها من قبل “الحزب” لناحية الإيواء والمسائل المادية والمعيشية والمالية، تبيَّن أنها هزيلة وهي تقلَّصت تدريجياً إلى الحدود الدنيا وباتت لا توفّر أبسط مقومات العيش بكرامة. لذلك، اختارت هذه العائلات الشيعية العودة إلى بيوتها وقراها تلك، على الرغم من كل المخاطر والمصاعب الماثلة، بالإضافة إلى عوامل أساسية أخرى لعبت دوراً كبيراً في هذا السياق، وساهمت إلى حدٍّ كبير في إشاعة جوٍّ من “الاطمئنان المشوب بالحذر” في صفوف العائلات العائدة.
الناشط اللبناني الشيعي، هادي مراد، يرى أن “عودة العائلات المقيمة في القرى والبلدات على الحدود الشرقية الشمالية مع سوريا في بعلبك ـ الهرمل، إلى قراها، يعكس أولاً أن سردية “الحزب” عن وجود “بعبع” سوري إسلامي متطرف قادم لـ”يأكلنا” ويقتلنا ويفتك بنا، سقطت، منذ لحظة عودة هذه العائلات”.
ويعتبر مراد، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “ما يحصل على هذا الصعيد، يعني أن سردية التخويف والترعيب لم تنجح، والناس أدركت واعتبرت أن العيش في قراها، حتى ولو كانت المعيشة صعبة مادياً وربما أمنياً، إنما العيش بعزّة في هذه المنطقة الحدودية الصعبة في بيوتها، أفضل ممّا وعدهم به “الحزب” ولم يفِ”. وبالتالي، الناس كانوا أمام خيارين أحلاهما مرّ، فاختاروا أن يعودوا للعيش بعزّة في بيوتهم في تلك المناطق”.
مراد يلفت، إلى أن “الناس اطمأنت أكثر لانتشار الجيش على الحدود الشرقية الشمالية وتعزيز حضوره في تلك المنطقة”، ويضيف: “هذا مؤشر جيد وإيجابي جداً على أن القاعدة والبيئة الشيعية أصبحت “أقرب خطوة” إلى الجيش اللبناني. فالبعض حاول أن يُبعد تفكير الشيعة عن الجيش وحمايته والترويج بأنه غير قادر، فيما اليوم أثبت الجيش وفي مدة قصيرة أنه قادر على توفير الأمن لسائر المواطنين بحال وجود القرار”.
في هذا السياق، يشير مراد إلى “ما يحققه الجيش من إنجازات على مستوى مكافحة عصابات المخدرات ومطاردة تجار ومروّجي هذه الآفة الخطرة، وقد ألقى القبض على العديد من هذه الشبكات والأفراد في الفترة الماضية. بالتالي، الجيش أثبت أن لديه القدرة على الإمساك بالوضع داخلياً، وحتى على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وعلى الحدود الشرقية الشمالية بين لبنان وسوريا، الجيش أثبت أنه قادر على مسك الأمن”.
برأي مراد، “البيئة الشيعية يزداد إيمانها بالجيش اليوم، وهي تؤمن أكثر بأنه هو الذي يحميها من أي اعتداء على الحدود الشرقية الشمالية، أو على الحدود الجنوبية متى أُتيحت له الفرصة ولم توضع العراقيل في وجهه”، لافتاً إلى أن “ما نلاحظه على هذا الصعيد هو سابقة إيجابية، بعد البروباغندا المضللة والتجييش على مدى سنوات من قبل البعض، خصوصاً “الحزب”، بأنه الوحيد القادر على حماية الشيعة والدفاع عنهم، والدولة والجيش عاجزان عن توفير الأمن والحماية لهم”.
مراد يؤكد، أن “هذه السردية فشلت، ولم تنجح في الاستمرار والترسخ في قناعة البيئة الشيعية، التي بدأت تختار اليوم، لا سيما العائلات والأفراد الذي يعودون إلى قراهم وبيوتهم المتاخمة للأراضي السورية على الحدود الشرقية، وهي مناطق تُعد نسبياً “خطرة أمنياً”، لكن العائدين اختاروا أن يثقوا اليوم بمن كانوا لا يثقون به، أي الجيش، في الماضي، نتيجة الضخ المتواصل، وهذا تغيّر أساسي كبير في العقلية والمزاج الشيعي”.
ويلفت، إلى أن “العائلات الشيعية وغيرها العائدة إلى قراها وبيوتها على الحدود الشرقية مع سوريا، لا شك أنها تلاحظ أنها تهجَّرت بظل سيطرة “الحزب” على هذه الحدود، ومن الجهتين، في السنوات الماضية. بينما اليوم، هذه العائلات تعود إذ تشعر بالاطمئنان في حماية الجيش، بعدما عزَّز انتشاره عدةً وعديداً وبات ممسكاً بأمن الحدود الشرقية بنسبة كبيرة جداً، وهذا ما جعل أبناء هذه البلدات يشعرون بالاطمئنان والثقة وبدأوا بالعودة إلى قراهم”.
