بعد يوم طويل من العمل، يستلقي أحدهم في سريره محاولاً الاسترخاء، لكن فكرة بسيطة مثل “هل أرسلت تلك الرسالة الإلكترونية المهمة؟” تكفي ليفتح عقله باب القلق على مصراعيه، متخيلاً أسوأ الاحتمالات: غضب المدير، فشل المشروع، وربما انهيار المسيرة المهنية.
بحسب تقرير نشره موقع Psychology Today، فإن هذا المشهد المألوف ليس سوى نتيجة لتفعيل نظام الأمان القديم في الدماغ البشري، وهو نظام تطوّر لحماية الإنسان من الأخطار في العصور البدائية، لكنه اليوم يعمل في عالم مختلف تمامًا.
من كهف العصر الحجري إلى المكاتب الحديثة
في العصور الحجرية، كان أسلافنا يتوقفون عند كل صوت غامض: هل هو مجرد ريح أم حيوان مفترس؟ الذين افترضوا الأسوأ كانوا أكثر حذرًا وفرصهم في البقاء أعلى، فانتقلت هذه السمة التطورية عبر الأجيال.
اليوم، يعرف العلماء هذا الميل باسم “تحيّز السلبية”، وهو نزعة فطرية للتركيز على الأحداث السلبية وتجاهل الإيجابية.
فكما أوضحت أبحاث كاشيوبو وبيرنتسون عام 1999، فإن الدماغ يُضخّم أثر التجارب السلبية ويُقلّل من أهمية المبهجة. فتعليق نقدي واحد من المدير يطغى على عشرات المديح، ليس لأننا سلبيون بطبيعتنا، بل لأننا مبرمجون تطوريًا على ذلك من أجل البقاء.
علم “أسوأ السيناريوهات”
تُظهر دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي أن الدماغ يستجيب بسرعة أكبر للمحفزات السلبية مقارنة بالإيجابية.
فاللوزة الدماغية — وهي مركز الإنذار في الجهاز العصبي — تكرّس معظم خلاياها العصبية لمراقبة التهديدات. وعندما تشتبه بخطرٍ ما، تُطلق استجابة “القتال أو الهروب”، فيفيض الجسم بالأدرينالين والكورتيزول.
ووفقاً لعالم النفس بارلو (2004)، فإن هذه الآلية تُعرف بـ “مبدأ كاشف الدخان”: من الأفضل أن ينطلق الإنذار عند أول إشارة دخان، حتى لو كان خطأ، على أن يُتجاهل خطر حقيقي.
لكن في العالم الحديث، لم تعد هناك نمور في الغابة، بل هواتف ذكية ترسل إشعارات متواصلة، فتُفعّل نفس النظام القديم عند كل رسالة أو تنبيه، فيتحوّل الإنسان إلى كائن يعيش في حالة إنذار دائم.
عندما يتحول الإنذار إلى قلق مزمن
هذا النظام الذي كان يوماً وسيلة للبقاء، أصبح الآن مصدر توتر دائم.
فعند مواجهة مواقف بسيطة مثل بريد إلكتروني حاد أو تأخير في ترقية، يستجيب الجسم كما لو أنه يواجه خطرًا وجوديًا، ما يؤدي إلى ارتفاع الضغط، ضعف المناعة، واضطرابات في الجهاز الهضمي والقلب.
وتصف الدراسات هذه الحالة بـ “الذعر الفسيولوجي المزمن”.
ومع الوقت، يضيق الانتباه على التهديدات المتصوّرة فيما يُعرف بـ “جذب الانتباه”، فيبدأ العقل في البحث الدائم عن الأخطار، ثم يجدها، فيدور في دائرة مغلقة من القلق والترقّب، ما يؤثر سلبًا على العلاقات، التركيز، وحتى القرارات اليومية.
كيف يمكن إعادة تدريب الدماغ القديم؟
رغم هذه البرمجة القديمة، فإن الدماغ يتمتع باللدونة العصبية، أي القدرة على إعادة تشكيل نفسه وبناء عادات فكرية جديدة.
ويقترح العلماء ثلاث خطوات رئيسية للسيطرة على هذا “الإنذار الخاطئ”:
تحديد الفكرة وتصنيفها: عندما تراودك أفكار مقلقة، لاحظها بوعي وقل لنفسك “إنه تحيّز سلبي”، ما يُفعّل الفص الجبهي المسؤول عن التفكير المنطقي ويُهدئ اللوزة الدماغية.
إعادة صياغة الموقف: بدلًا من افتراض الأسوأ، حاول تفسير الموقف ببدائل واقعية، كأن تقول: “مديري لم يرد لأنه مشغول، لا لأنه غاضب.”
التمسّك بالإيجابيات: خذ لحظة لتذوّق لحظات الفرح الصغيرة أو الإنجاز، فالأبحاث تشير إلى أن تخصيص 20 إلى 30 ثانية لتقدير حدث إيجابي يساعد الدماغ على تسجيله بعمق أكبر.
من الخوف إلى التوازن
يذكّر العلماء بأن نظام الإنذار الداخلي ما زال ضروريًا عندما يكون هناك خطر حقيقي، لكن تركه يعمل بلا وعي يحوّل حياتنا إلى سلسلة من ردود الفعل المرهقة.
إن تسمية الأفكار بوضوح، وتحديد حجمها الواقعي، وتذكّر النجاحات الصغيرة، هي أدوات تساعد الدماغ على العودة إلى التوازن الطبيعي بين الحذر والطمأنينة.
.jpg)