
كشفت دراسة ألمانية جديدة أجرتها جامعة برلين الحرة، أن قضاء الوقت في الغابات والمناطق الطبيعية لا ينعش الجسم فحسب، بل يعيد أيضاً ضبط نشاط الدماغ بطريقة تعزز الصحة النفسية وتخفض مستويات القلق والتوتر. وتؤكد النتائج أن مجرد المشي لمدة ساعة واحدة وسط الطبيعة يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً في نشاط مناطق الدماغ المسؤولة عن التحكم في المشاعر والاستجابة للضغوط النفسية، وهو ما يجعل المشي في الغابات أشبه بـ”إعادة تشغيل هادئة للعقل”.
اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على مجموعة من المتطوعين الذين خضعوا لتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) قبل وبعد المشي. وتم تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى قضت ساعة كاملة في غابة قريبة من العاصمة برلين، بينما قامت الثانية بالمشي في منطقة مزدحمة داخل المدينة. وبعد انتهاء التجربة، أظهرت الصور الدماغية انخفاضاً واضحاً في نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala) لدى الأشخاص الذين ساروا في الطبيعة، بينما لم يُلاحظ أي تغيير لدى الذين ساروا في الشوارع الحضرية.
تُعد اللوزة الدماغية مركز معالجة الخوف والقلق في الدماغ، وهي المنطقة التي تفرط في النشاط لدى من يعانون من اضطرابات مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. لذلك، فإن انخفاض نشاطها يُعتبر مؤشراً على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل مستويات القلق والتوتر الداخلي. ويشرح الفريق البحثي أن البيئة الطبيعية، بخلاف الضجيج الحضري والمحفزات البصرية الكثيفة في المدن، تمنح الدماغ فرصة للراحة من التحفيز الزائد وتعيده إلى حالة توازن ذهني.
وتشير الدراسة إلى أن هذه التأثيرات ليست مؤقتة تماماً، بل يمكن أن تتراكم بمرور الوقت. فالأشخاص الذين يخصصون وقتاً منتظماً للمشي في الطبيعة أظهروا مرونة أعلى في التعامل مع الضغوط اليومية، وقدرة أفضل على التركيز واتخاذ القرار، إضافة إلى نوم أعمق ونشاط إدراكي أقوى خلال النهار. وتبيّن أيضاً أن الهواء النقي ورائحة الأشجار والضوء الطبيعي تساهم في رفع مستويات “السيروتونين” و”الدوبامين” في الدماغ، وهما الهرمونان المرتبطان بالشعور بالسعادة والرضا.
ويؤكد الباحثون أن المشي في الغابات ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل ممارسة علاجية حقيقية يمكن أن تندرج ضمن برامج الصحة النفسية الحديثة. فبعض الدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية أدخلت ما يُعرف بـ”العلاج بالغابات” أو Shinrin-yoku ضمن سياساتها الصحية، حيث يُشجّع الأطباء المواطنين على قضاء وقت منتظم في الطبيعة كوسيلة طبيعية لمكافحة التوتر وتعزيز المناعة الذهنية والجسدية.
كما أوصى الخبراء بتخصيص 60 دقيقة أسبوعياً على الأقل للمشي في أماكن خضراء أو غابات قريبة، لأن هذا الوقت كافٍ لتفعيل الآثار الإيجابية على الدماغ. وأشاروا إلى أن الأمر لا يتطلب مجهوداً كبيراً أو تمارين معقدة؛ فالمشي الهادئ، والاستماع لأصوات الطبيعة، ومراقبة الألوان الخضراء يكفي لخلق تفاعل عصبي إيجابي داخل الدماغ.
هذه النتائج تضيف دليلاً علمياً قوياً إلى ما كان الناس يشعرون به intuitively منذ قرون — أن للطبيعة قوة شفاء خفية. فالتواجد بين الأشجار، بعيداً عن ضجيج المدن وإشعاعات الشاشات، يعيد الإنسان إلى توازنه الطبيعي، ويمنحه صفاءً ذهنياً لا توفره أي بيئة أخرى. لذلك، لم يعد المشي في الغابات رفاهية أو هواية، بل يمكن اعتباره اليوم جزءاً أساسياً من أسلوب حياة صحي يعتني بالعقل قبل الجسد، ويساعد في استعادة الهدوء الداخلي في عالم يزداد توتراً يوماً بعد يوم.
