#adsense

لإنقاذ مجلس النواب من قبضة “شريعة الغاب”

حجم الخط

“ربما في السنوات الأربعين الماضية لم يقل لك أحد ذلك، وأنا أقوله لك اليوم: إن من يقرر في المجلس النيابي هو الأكثرية النيابية، لا أنت، ولا أي شخص آخر بحد ذاته، مع كامل احترامنا لك ولكل شخص آخر. إما دستور وقانون ونظام، وإما شريعة الغاب. ولن نقبل بعد الآن بشريعة الغاب. مع تحياتي، دولة الرئيس”. لقد أتت مصارحة الدكتور سمير جعجع، لرئيس مجلس النواب اللبناني الاستاذ نبيه بري، مصادفة صادقة في مناسبة ذكرى “تنصيب” رئيس حركة “أمل” في 20 تشرين الأول من العام 1992، في الموقع التشريعي الأول المُحَدَّد السلطات والصلاحيات في مواد الدستور اللبناني والنظام الداخلي لمجلس النواب. وقد أتت هذه المصارحة الصادقة مذكرّةً بالمسار الذي فرض على اللبنانيين تحت راية “الانقلاب على الطائف” وتحت صيغة “الغالب والمغلوب” التي خلّفت المآسي والويلات على اللبنانيين والتي بدأت منذ العام 1990 ولم تنته في العام 2005، ويتأمل اللبنانيون أن يصدق وعد وأمل رئيس الجمهورية جوزيف عون “بأن يكون العام 2025 عام حصرية حمل السلاح بيد الدولة اللبنانية”.

لا تختلف تجربة وخبرة الدكتور سمير جعجع غير المشجعة لا بل المخيبة، مع ولاية الرئيس بري الممتدة منذ العام 1992 وحتى العام 2026، عن تجربة اللبنانيين جميعًا، مسلمين ومسيحيين مقيمين ومنتشرين، إذ إن الرئيس برّي المحتفظ برئاسته لحركة “أمل” والمتمسك بأخوته لـ”الحزب” وبنوته وتبعيته للنظام السوري سابقًا والإيراني لاحقًا، لا يزال يبدّي ما سبق، على منصبه الرسمي الشرعي التشريعي، ولا يزال بحسب التجربة والبراهين يتعسف باستغلال المنصب لمصلحة الحركة و”الحزب” والمحور والأنظمة المذكورة سابقًا.

منذ أكثر من أربعين عامًا وتحديدًا بعد انتفاضة 6 شباط من العام 1984 على الجيش اللبناني وعلى الشرعية آنذاك،  انتزعت حركة “أمل” بقوة مشغلها السوري وزارة العدل التي أسندت لرئيسها الاستاذ نبيه بري… كما انتزعت لاحقًا صندوق مجلس الجنوب ورئاسته حتى كتابة هذه السطور… وإذا سألنا المجرب وبما قاله الحكيم بعد أربعين سنة، نتأكد بأن ذهنية 6 شباط من العام 1984 الانقلابية على الشرعية والدستور والقوانين، مُطبقة في إدارة رئيس حركة “أمل” لمجلس النواب اللبناني، مختزلة الـ128 نائبًا أو في أحسن الأحوال أكثريتهم، كما حصل مع تجاهل الـ67 نائبًا منهم أخيرًا.

ما يؤكد على التشبث بمسار “شريعة الغاب” المرفوض من غالبية النواب والوزراء واللبنانيين، ما قاله رئيس مجلس النواب بعد سبعة وعشرين عامًا على تولّيه منصبه الشرعي والتشريعي “مبدئيًا” في 12 كانون الثاني من العام 2019 بـ”أننا على استعداد لأن أقوم بـ6 شباط سياسية وغير سياسية، فلا يجربوننا”.

من “الترويكا” التي كانت خير تعبير عن شريعة الغاب حيث اختزلت الرئاسات الثلاث، ومنها الرئاسة الثانية المنوطة حصرًا بالتشريع والقوانين لا التنفيذ، الى مساهمات الرئيس بري الطليعية بتعطيل الاستحقاقات والحكومات وإسقاطها والمقاطعة وإقفال المجلس النيابي بوجه النواب وبوجه التشريع وإنفاذ القوانين، الى “السلبطة” على الصلاحيات كي لا نستعمل العبارة التي استعملها حليف الحليف في السياسة والحكومات وفي الانتخابات الطالبية والنقابية والبلدية والنيابية… لا يغيب عن بال أحد كيف كانت حركة “أمل” برئاسة رئيس مجلس النواب، أول من شارك “الحزب” في حرب “لو كنت أعلم” في العام 2006 وأول من قطع الطرقات واحتل الوسط التجاري قلب الاقتصاد اللبناني وحاصر السرايا في العام 2007 وشارك فعليًا وبفعالية في غزوة بيروت والجبل في أيار من العام 2008 والتي أنتجت، كما أنتجت 6 شباط من العام 1984، مكاسب سياسية للحركة و”الحزب” والطائفة الشيعية. ولن ننسى طبعًا الدور الذي لعبه رئيس الحركة، رئيس مجلس النواب بالتفاوض مع الموفد هوكشتين في الترسيم البحري، متجاوزًا مجلس الوزراء والنواب، كما في المفاوضات التي خاضها مفوضًا من “الحزب”، لا من مجلس النواب ولا من الحكومة، قبل موافقة الحكومة على اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني من العام 2024 والذي لم يعرضه على الهيئة العامة لمجلس النواب، كما تقتضيه القوانين والشرائع، بعيدًا من “شريعة الغاب”. مع الإشارة الى انخراط ميليشيا حركة “أمل” التي يرأسها، في حرب الإسناد التي أعلنها منفردًا “الحزب”، من دون العودة طبعًا لا الى اللبنانيين ولا الى دولتهم أو مؤسساتهم الرسمية الشرعية من مجلسي الوزراء أو النواب.

ولا يزال رئيس مجلس النواب بصفته الأملية، مُفاوِضًا مُفوَّضًا من “المحور” و”الحزب” مع الموفدين اورتيغوس وبراك بعد هوكشتين… الى أن وصل الأمر بالرئيس بري أخيرًا الى أن يقرر هو منفردًا، مختزلًا رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعًا ورئاسة المجلس والنواب، إسقاط مقترح التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل.

لقد أتى رد الدكتور جعجع على النقطة التي فاض معها كأس التجاوزات وتخطي الدساتير والقوانين والصلاحيات على مقاربة برّي بصفته رئيس “أمل” الذي قال فيها في 16 تشرين الأول من العام 2025: “عمليات الاقتراع ستحصل في لبنان، ومَن يُريد أن يشارك في الاقتراع وينتخب، يستطيع أن يأتي إلى لبنان وينتخب في لبنان”، وردًا على ما قاله قبلًا في العاشر من الحالي: “لا جلسة لمجلس النوّاب للبحث في أيّ تعديل… لا أحد يتحدّث معي. لن أغيّر رأيي ولن أتزحزح”.

إن رَفْض رئيس مجلس النواب للمسارات القانونية والتشريعية والشرعية في إقرار القوانين وتعديلاتها، كما رفضه الالتزام بما ينص عليه النظام الداخلي للمجلس الذي يرأسه منذ العام 1992، لم يكن الا تعبيرًا واضحًا، ولو ستره بمنصبه، عن المكنونات الإقليمية والطائفية المذهبية والحزبية والتي عبّر عنها رئيس حركة “أمل” ومشغلوه قبل أكثر من واحد وأربعين عامًا في انقلاب 6 شباط من العام 1984، على الشرعية والتشريع لصالح “شريعة الغاب التي لم ولن نقبل بها”.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل