
لا جدل أن القدرة الشرائية لدى اللبنانيين في تراجع مستمر، فيما الأوضاع الاقتصادية والمعيشية تزداد وطأة، خصوصاً على الطبقات المهمَّشة. وفي وقت يلاحظ المستهلك أن الـ100 دولار تطير في السوبرماركت كنسمة الهواء في أكياس تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة، ما يزال الحد الأدنى للأجور يساوي نحو 312 دولاراً، ولا بوادر في الأفق لتصحيح الرواتب. وبالمقارنة بين قيمة الـ100 دولار الشرائية قبل الأزمة، وقيمتها الفعلية اليوم، يتبيَّن الفارق الشاسع، ما يفرض على كل مواطن أن يعيد طريقة حساباته لأوضاعه المادية.
التسويف والمماطلة يطبعان سلوك المعنيين تجاه هذه الأزمة، سواء على ضفة الدولة أو على شاطئ أرباب العمل، فيما “قيمة الـ100 دولار الشرائية في الأسواق اللبنانية، تراجعت عمّا كانت عليه قبل اندلاع الأزمة”، وفق ما يؤكد الباحث في “الدولية للمعلومات”، محمد شمس الدين، الذي يشير إلى أن “القدرة الشرائية الحقيقية للـ100 دولار اليوم، تساوي فعلياً 65 دولاراً. بمعنى أن الحاجيات والسلع الغذائية التي كان المستهلك يشتريها من السوبرماركت بـ100 دولار في العام 2018، بات اليوم بحاجة إلى 135 دولاراً لشراء السلع ذاتها”.
أمام هذا الواقع ووطأته وتداعياته الاجتماعية والمعيشية، هناك ضرورة ملحة ومسؤولية كبيرة على الحكومة والهيئات الاقتصادية بإجراء عملية تصحيح للرواتب والأجور بأسرع وقت، ولم يعد جائزاً الاستمرار بالهروب إلى الأمام والتعامي عن هذا الواقع، وهذا ما يقتضيه الحد الأدنى من المسؤولية. لكن شمس الدين غير متفائل على هذا الصعيد، ويكشف لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه “يقاطع اجتماعات لجنة المؤشر منذ فترة طويلة، لأنها باتت أشبه بـ”طبخة بحص” ولا نتيجة منها تُنصف العمال والموظفين”.
بأسف، يقول شمس الدين لموقع “القوات”، إنه “لا يعوّل على التحركات الشعبية لتحقيق المطالب المشروعة وتصحيح الأجور والرواتب، فالناس ضُربوا بما هو أشد وتعرّضوا لجريمة أبشع وأقسى، إذ طارت الودائع المصرفية ومدخرات أجيال وأجيال على مدى عقود، وتعويضات نهاية الخدمة لأكثر من 30 ألف موظف وعامل انتهت خدمتهم، ولم يتحركوا. كأن الناس باتوا يائسين وفقدوا الأمل ويقبلون باسترضائهم بتسويات جزئية معينة كل فترة”.
يضيف شمس الدين: “قبل أشهر كان الحد الأدنى للرواتب والأجور، المطلوب، للعيش بالحد الأدنى، بين 550 و600 دولار، فيما الدولة والهيئات الاقتصادية لم يوافقوا إلا على ما يقارب 312 دولاراً للحد الأدنى للأجور. اليوم، الحد الأدنى للرواتب والأجور المطلوب، للعيش بالحد الأدنى، يجب أن يكون حوالي 900 دولار، فهل ستقرّ الحكومة والهيئات الاقتصادية بذلك؟. هذا يظهر كم نحن بعيدون عن العدالة الاجتماعية، إذ إن الحد الأدنى للرواتب والأجور حالياً، (312 دولاراً)، لا يوازي ثلث الحد الأدنى العادل”.
شمس الدين “لا يراهن على تصحيح الحد الأدنى للأجور وتصحيح الأجور والرواتب بشكل عام، بما يتناسب مع أكلاف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، حتى على مستوى الدولار، لأن معظم أصحاب المؤسسات والشركات يتذرّعون ويهدّدون بأنه في حال رفع الرواتب والأجور سيتعرضون للإفلاس وسيقفلون شركاتهم، وبالتالي، العامل أو الموظف الذي كان يتقاضى أجراً وراتباً، مهما اعتبره زهيداً، سيصبح عاطلاً عن العمل”.
لا يوافق شمس الدين على طروحات الهيئات الاقتصادية وأرباب العمل، بأنه لا يمكن رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور وتصحيحها في كل لبنان بشكل عام وشامل، بسبب الأوضاع والظروف الأمنية في بعض المناطق، مثل الجنوب والبقاع والضاحية وغيرها، بحجة أن الشركات والمؤسسات في تلك المناطق شبه متوقفة عن العمل ولا يمكنها رفع الرواتب، بعكس ربما شركات ومؤسسات في مناطق أخرى.
شمس الدين يوضح في هذا السياق، أن “غالبية الشركات والمؤسسات رفعت أسعار السلع والبضائع وتُراكم الأرباح. ثم، إن كانت بعض الشركات والمؤسسات تعاني في بعض المناطق من الظروف الأمنية القائمة، فهذه لا تتجاوز نسبتها الـ20% كحد أقصى ويمكن إيجاد تدابير معينة لتلك الشركات، إن كان هناك نية وقرار لدى المسؤولين بمعالجة الوضع. لكن هل نأخذ العمال والموظفين في 80% من الشركات والمؤسسات التي لا تعاني من أي مصاعب أو مخاطر على المستوى الأمني وأعمالها تسير بشكل طبيعي، بجريرة 20% من الشركات، ونحرم بالتالي العمال والموظفين في 80% من الشركات من حقوقهم المشروعة وتصحيح رواتبهم وأجورهم بشكل عادل؟”.
بالإضافة إلى ما سبق، يلفت شمس الدين إلى أنه “تم رفع الضرائب والرسوم، والجبايات تحسَّنت بشكل كبير، وهناك فائض في الموازنة العامة، إضافة إلى الوفر المحقق في خزينة الدولة، لكن الرواتب والأجور في القطاع العام على حالها ولم يطرأ عليها أي تحسن. بالتالي، المسألة لا تتعلق فقط بتمنع القطاع الخاص عن تحسين الرواتب والأجور، بل تنسحب على الدولة وموظفي القطاع العام أيضاً”، معرباً عن أسفه، إذ “لا يبدو أن الأمور ستتغير في وقت قريب، والـ100 دولار التي تساوي اليوم عملياً 65 دولاراً قد تصبح قيمتها الشرائية أقل في المستقبل، إن استمر الهروب إلى الأمام من قبل مختلف المعنيين”.
