صحيفة النهار- روزانا بومنصف
لم يردّ أحد من أركان الدولة على الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم بعد انتقاده يوم الثلثاء الماضي كلا من وزير العدل عادل نصار وحاكم المصرف المركزي كريم سعيد لاتخاذهما تدابير قانونية تساهم في رفع لبنان عن اللائحة الرمادية، وتجنباً لانزلاق تصنيف لبنان الائتماني إلى القائمة السوداء، وذلك قبل أسابيع قليلة من الاجتماع نصف السنوي لمجموعة العمل المالي الدولية الذي يُعقد في باريس. فقد قال قاسم إنّ “حاكم مصرف لبنان ليس موظفاً عند أميركا كي يُضيّق على المواطنين بأموالهم، وعلى الحكومة أنْ تضع له حدا، ووزير العدل ليس ضابطة عدلية عند أميركا وإسرائيل، وعليه أنْ يتوقّف عن منع المواطنين في معاملاتهم”.
ويرى كثر أن السلطة معنية بالرد، حتى لو أن الحزب يتوجه إلى بيئته الحاضنة تحديدا، نظرا إلى توظيفه ذلك في تظهير “مظلومية” ليست في مكانها من جهة، وتحصيل مكاسب في وجه الدولة من جهة أخرى.
ففي 22 من هذا الشهر، وبعد أسابيع من الأخذ والرد في طهران، أقرت إيران اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب كجزء من الجهود المبذولة لإزالة اسمها من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF) أي الهيئة الدولية التي تضع معايير لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمسؤولة عن وضع لبنان على اللائحة الرمادية، بسبب ما سمته “ضعف الإجراءات التي تتبعها الحكومة اللبنانية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب”. ويشكل الحزب جزءا كبيرا من هذه المشكلة التي يواجهها لبنان في ظل اتهامه بغسل الأموال والأرهاب وفقا للتصنيف الأميركي وغير الأميركي، وتأثير ذلك على مسار الدولة خلال الأعوام السابقة. وقد يستمر الحزب، في إطار انضوائه في المحور الإيراني وما تعنيه ترجمة ذلك، في عرقلة الالتزام الجدي والكامل مع متطلبات مجموعة العمل المالي الدولية.
لم يعد حسن النية لدى رئيس الجمهورية أو لدى رئيس الحكومة يشفع كثيرا بإداء العهد بعد تسعة أشهر على انطلاقه، لا داخليا ولا خارجيا، استنادا إلى مسؤوليتهما في وضع النقاط على الحروف، من دون أن يعني ذلك الخوض في سجال يومي أو سجال تحدّ. فالدول تحاول الحفاظ على مصالحها، ولا يجوز أن يتهم لبنان بخضوعه للإملاءات الأميركية، فيما تجهد إيران في الاتجاه نفسه، ولا سيما بعد إعادة فرض العقوبات الأممية عليها. هذه معايير مزدوجة من الحزب على أقل تقدير، فيما هو لا يعتبر نفسه مسؤولا عن مصير لبنان واللبنانيين، وهي مسؤولية الدولة التي يتعين عليها اتخاذ القرارات المناسبة. والسلطة لا تقول للحزب ردا على منطقه إنه ما دام يحتفظ بسلاحه فإنه يُشكل تهديداً مستمراً لنفسه وللبنانيين وليس مصدر قوة لهم، بالإضافة إلى إعاقته إعادة الإعمار في القرى الجنوبية حرصا على عدم إضعافه وإضعاف نفسها أمام اسرائيل. لذلك يرى كثر أن تصحيح المغالطات واجب في ظل محاولات الحزب البناء على إرثه السابق في عرقلة إعادة بناء الدولة.
والواقع أن ثمة من لا يسجل عرقلة الحزب لتنفيذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي تفاوض عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري بالنيابة عن الحزب ووافق على حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية وأجهزتها، فقط في جنوب الليطاني، بل أيضا هناك محاولات عرقلة على خط رأب الصدع بين لبنان والنظام الجديد في سوريا.
وتتحدث مصادر رسمية عما جرى خلال زيارة الوفد السوري للبنان أخيرا برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني من محاولات تعكير على الزيارة وتاليا على الجهد المبذول لإنهاء عقود من العلاقات السورية – اللبنانية غير السوية بين البلدين، برمي كرة التعكير أو الذبذبة في خانة الحزب، وإن لم تصدر مواقف علنية رسمية، ولاسيما في ظل مقاطعة الوفد السوري لرئيس مجلس النواب نبيه بري وعدم زيارته في مقره في عين التينة. والحال أن تصحيح العلاقات مع سوريا، ولاسيما في هذا التوقيت الذي تراه دول عدة صديقة مناسبا وضروريا ومتاحا لاعتبارات كثيرة، يكاد لا يقل أهمية عن إنهاء الحرب في جنوب لبنان على نحو حاسم ونهائي، والبعض يرى أنه يتقدم عليه تبعا للحاجة الماسة للبنان إلى عمقه عبر سوريا، على غير الحال مع إسرائيل.
حين يقول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من إسرائيل إن “مهمة صعبة” تنتظرنا في نزع سلاح حماس”، يوفر بذلك ذريعة للدولة اللبنانية إزاء المهمة الصعبة التي تقوم بها لنزع سلاح الحزب والطريق الطويلة لذلك. ولكن ما يأخذه عليها كثر لا يندرج تحت هذا العنوان، بل تحت عناوين جانبية يخشى أنها لا تساهم في تثبيت قدرة الدولة.