
في اكتشاف أثري مذهل على الساحل الجنوبي لإنكلترا، أعلن فريق من علماء الحفريات عن العثور على بقايا مخلوق بحري ضخم من العصر الجوراسي، أُطلق عليه اسم “تنين السيف” (Sword Dragon) بسبب بنيته الطويلة وانسيابيته الهائلة التي تشبه سيفاً بحرياً يتحرك في أعماق المحيط. الاكتشاف جرى في منطقة دورست (Dorset) ضمن ما يُعرف بـ “الساحل الجوراسي” — وهو موقع مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويُعدّ من أغنى المناطق بالحفريات التي توثّق الحياة البحرية قبل نحو 185 مليون سنة.
المخلوق المكتشف ينتمي إلى فصيلة الإكتيوصور (Ichthyosaur)، وهي زواحف بحرية انقرضت قبل حوالي 90 مليون سنة، وكان يُعتقد أنها أقرب شبهاً بالدلافين من حيث الشكل وطريقة السباحة. لكن هذا النوع الجديد يُظهر خصائص لم تُرصد من قبل، مثل جمجمة طويلة ومدببة أشبه بنصل السيف، وأنياب مخروطية يبلغ طول بعضها أكثر من 10 سنتيمترات، مما يشير إلى أنه كان مفترساً شرساً يتغذى على الأسماك والرخويات وحتى صغار الإكتيوصورات الأخرى.
الدكتور “ريتشارد فورت”، من جامعة بريستول، قال إن حالة الحفرية المدهشة جعلت من الممكن إعادة بناء شكل الكائن بدقة مذهلة، مضيفاً: “لقد احتُفظ بالتفاصيل الدقيقة للعظام والجلد وحتى بعض أنسجة العضلات، وهو أمر نادر في حفريات بهذا العمر. يمكننا القول إننا ننظر إلى مخلوق عاش في وقت كانت الديناصورات لا تزال في بدايات تطورها.”
ومن خلال تحليل الرواسب المحيطة بالعظام، توصّل الفريق إلى أن هذا الإكتيوصور كان يعيش في بحر ضحل دافئ يغطي معظم أوروبا آنذاك، وأنه كان يستخدم أنفه الطويل لاصطياد فرائسه بطريقة تشبه أسلوب التمساح الحديث، فيغرس فكه بسرعة البرق داخل أسراب الأسماك، مستفيداً من مرونة جسده وانسيابيته المائية. وقد بلغ طوله الإجمالي نحو 8 أمتار، ما يجعله أحد أكبر الكائنات المفترسة في تلك المرحلة الجيولوجية.
اللافت في الاكتشاف أن بنية الأسنان والفكين تختلف عن أي نوع معروف سابقاً، إذ تُظهر تشابهاً مع الزواحف الطائرة التي كانت تعيش في الحقبة نفسها، مما يوحي بإمكانية وجود تفرّع تطوري مشترك بين الكائنات البحرية والجوية في تلك الفترة. هذا الاحتمال، إن تأكد، قد يعيد رسم شجرة تطور الزواحف ويُحدث تغييراً جذرياً في فهم العلماء لكيفية تكيّفها مع البيئات المتنوعة بين البرّ والبحر والجو.
وقد وُصفت الحفرية بأنها “أعظم اكتشاف بحري في بريطانيا منذ أكثر من ثلاثة عقود”، وسيُعرض الهيكل شبه الكامل لـ”تنين السيف” في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في لندن بعد اكتمال عمليات الترميم الدقيقة التي يُتوقع أن تستغرق عاماً كاملاً.
ويرى العلماء في هذا الاكتشاف تذكيراً بمدى غموض الماضي الجيولوجي لكوكبنا، إذ ما زالت الأرض تخبّئ في طبقاتها قصص كائنات سادت المحيطات لملايين السنين قبل أن تختفي فجأة. وكما قال أحد الباحثين المشاركين: “كل عظمة نكشف عنها لا تحكي فقط قصة مخلوق، بل قصة كوكب بأكمله تغيّر مرات عديدة — من بحرٍ يعجّ بالحياة إلى يابسةٍ مأهولة بالديناصورات، وصولاً إلى العالم الذي نعرفه اليوم.”
