
لم يحد أمين عام “الحزب” الحالي في إطلالته الأخيرة عن مسار الإطلالات السابقة له، سواء عندما كان نائب أمين عام أو بعد تبوئه لمنصبه منذ عام بالتمام، إذ لم تغب سرديات الانتصار بالإنكار عن أي منها، كما لم تغب عنها التناقضات التي تشي أو تؤكد عكس سرديات وترويجات “الحزب” وأمينه العام ونائبه ونوابه ووزرائه وإعلامييه… ففي الذكرى الأولى للإسناد في 8 تشرين الأول من العام 2024 قال قاسم: “كلما طالت المواجهة سيزداد مأزق إسرائيل… على كل حال بالالتحام سنثبت في الميدان أن الجيش الإسرائيلي سيتكبد الخسائر الكبيرة، لعل هذه الخسائر تكون هي المقدمة لإنهاء الحرب”.
إذًا، بعد استهداف الأمين العام الراحل نصرالله، كان أقصى ما يصبو اليه “الحزب المنتصر” بعد سقوط ما ومن سقط، وما توهمه يومها قاسم وحزبه بإطالة الحرب، “أن يزداد مأزق إسرائيل” لا “إزالتها”، كما كان يعد ويتوعد “الحزب” ومسؤولوه وأمينه العام نصرالله من مثل ما قاله في 14 آب من العام 2023: “إذا أردتم المواجهة مع لبنان، أنتم أيضًا ستتم إعادتكم إلى العصر الحجري، وإذا تطورت المواجهة إلى مواجهة مع الممانعة، لن يبقى شيء اسمه إسرائيل”، كذلك صبا قاسم في الذكرى الأولى للإسناد، بلوغ الحزب “الهدف الأسمى” وهو “المقدمة لإنهاء الحرب”… وكأنه أراد تخليص إسرائيل من “مأزقها” عبر عدم “إطالة الحرب”، ليقول المنتصر نفسه اليوم في الذكرى السنوية الأولى في منصبه كأمين عام لـ”الحزب”: “كنا نضرب تل أبيب بين حينٍ وآخر، وقبل وقف إطلاق النار اتخذ قرار كجزء من الإيلام الذي قد يُسرّع موضوع الاتفاق على وقف إطلاق النار”.
وهنا يقول بما يشبه إسقاط سرديات النصر المبين على إسرائيل المأزومة، بأن هدف “ايلام العدو” كان وقف الحرب ووقف إطلاق النار، وبالتالي عفا “الحزب” عن ما وصّفه قاسم في أربعينية نصرالله: “الثمن الغالي من الدماء والشهداء وصمود المقاومة والناس، هذا ثمن لا بدّ من دفعه من أجل أن نصل إلى الانتصار”… ووقف الحرب واتفاق وقف إطلاق النار طبعًا لا يدخلان في “الانتصار” الذي أنشد نشيده “الحزب” وينشده أمناؤه العامون من السلف الى الخليفتين والخلفاء العتيدين والتابعين.
“التعافي” و”إعادة ترميم قدرات وهيكلية الحزب وقوته”، سردية أخرى أساسية من التي اسقطتها تناقضات قاسم في الخطاب الواحد. فبعد أن قال مكررًا في سنته الأولى في حمله للآمانة: “ما أراه من الحزب اليوم تألّق أكبر”، وتأكيده أننا “نحن اليوم أفضل مما كنا عليه قبل معركة أولي البأس”، عاد وجريًا على عادته ليكذّب، مسقطًا سرديته ومؤكدًا في المقابلة نفسها: “منذ عام 2006 حتى عام 2023 كان الردع قائمًا على إبراز فائض القوة. أما اليوم فلدينا تكتيك مختلف. نحن لا نُظهر فائض قوة، ولا نمتلك فائض قوة. نعمل بطريقة اعتيادية، ولدينا ما يكفينا من القوة، فلماذا نُظهر أكثر مما نملك”؟… وفي ردّ مباشر على سردية التعافي يقول: “بصرف النظر عن مستوى التعافي الذي حصل في الحزب نحن جاهزون للدفاع لآخر رجل فينا… لو لم يبقَ معنا الا خشبة… لن نبادر بفتح معركة، لكن إن فُرضت علينا معركة ولو لم يكن لدينا سوى خشبة، فلن نسمح للإسرائيلي أن يمرّ، وسنقاتله حتى لو لم يبقَ منا رجل أو امرأة… لو كان عنا ضافير وعصاية، رح نضلّ مقاومة ومش رح نوقّف… معش تفتشوا شو عنا إمكانات.”
ومن سلسلة سقوط السرديات أيضًا، “الذريعة”، فبعد أن قال الأمين العام الخلف في مقابلة السادس والعشرين من تشرين الأول من العام 2025، ما تكرر على لسانه وألسنة مسؤولي “الحزب” الراحلين منهم والباقين، على “أن إسرائيل لم تحتج يومًا الى ذريعة ولا تحتاجها” و”لا يحق لأحد أن يقول: انزعوا السلاح لنسحب الذريعة”، سمعناه ورأيناه في المقابلة نفسها يقول: “لم نرد على العدو لأننا نريد إراحة البلد ولا نريد إعطاء ذريعة له”، وفي مكان آخر من المقابلة يقول: “كنا ننظر أنه إذا أردنا أن نتصرف بوحشية فالعدو أوحش وسندفع ثمنًا باهظًا”.
إمعانًا في إنكار الاندحار، اعتبر قاسم أن “قرار المشاركة في معركة الإسناد كان في محلّه، ولو تكرّر الأمر لكرّرناه، لاعتباراتٍ سياسيةٍ وأخلاقيةٍ وإيمانية… وكان قرارًا مدروسًا وصحيحًا في توقيته ومضمونه”… ولو أراد قاسم سلوك السياق ذاته في إسقاط سردياته، لتطرق الى “نتائجه الباهظة الثمن” وهو قرار لم يتخذه لا “الحزب” ولا أمينه العام، وطبعًا لم يشاور به أي من الشركاء اللبنانيين… بل قرار ولي الفقيه في إيران نائب صاحب الزمان المهدي، وهنا يوضح قاسم “الاستقلالية والوطنية” في كيفية اتخاذ “الحزب” لقراراته “الصحيحة والمدروسة” بقوله: “نحن جماعة الانتظار للإمام المهدي… لا أحد سيسلم الراية لصاحب الأمر والزمان إلا نحن”.
