#adsense

دواء معروف لمرض السكري يكشف عن آليّة مفاجئة تفيد في أمراض أخرى

حجم الخط

لم تعد القهوة مجرّد مشروب صباحي يوقظ الحواس ويمنح الدفعة الأولى من النشاط، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى موضوع أبحاث علمية تكشف عن فوائد غير متوقعة تتجاوز تحسين المزاج وزيادة التركيز. فالدراسات الحديثة تشير إلى أنّ القهوة — حتى منزوعة الكافيين — قد تملك تأثيرًا إيجابيًا ملحوظًا على صحة الأمعاء والجهاز الهضمي، عبر دعم نمو البكتيريا المفيدة وتنشيط التوازن الميكروبي في الجهاز الهضمي، وهو ما يُعرف اليوم باسم “الميكروبيوم المعوي”.

بحسب دراسات نُشرت في مجلات علمية متخصّصة في التغذية مثل The Journal of Nutrition وFood Research International، فإنّ القهوة تحتوي على مزيج غني من المركّبات النشطة بيولوجيًا، أبرزها البوليفينولات، وهي مضادات أكسدة طبيعية تعمل كـ”غذاء” للبكتيريا النافعة في الأمعاء. هذه المركّبات تساعد على تحفيز نمو أنواع مفيدة مثل Bifidobacteria وLactobacillus، التي تلعب دورًا أساسيًا في تحسين الهضم، وتقوية المناعة، والحدّ من الالتهابات المعوية.

ما يميّز تأثير القهوة في هذا السياق هو أنّه لا يعتمد فقط على الكافيين. فقد أظهرت التجارب أنّ حتى القهوة الخالية من الكافيين تؤدي إلى تغيّرات إيجابية في تركيب الميكروبيوم. هذا يعني أنّ السرّ لا يكمن في “المنبّه”، بل في المركّبات النباتية المعقّدة الموجودة في حبوب البن، خصوصاً الأحماض الكلوروجينية، التي تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا الضارّة ومُنظّمة للالتهابات. هذه الأحماض تساعد أيضًا في ضبط مستوى السكر في الدم، ما يجعل القهوة مفيدة في منع اضطرابات الأيض المرتبطة بالسمنة ومتلازمة القولون العصبي.

ومن النتائج اللافتة أنّ القهوة قد تُساهم في تحسين حركة الأمعاء وتنشيط عملية الإخراج الطبيعي دون تهيّج. فالكافيين وبعض المركبات العضوية تحفّز العضلات الملساء في الجهاز الهضمي، ما يُسهّل عملية الهضم ويمنع الإمساك المزمن. هذا التأثير، وإن كان خفيفًا مقارنة بالأدوية، إلا أنه ينعكس على راحة الجهاز الهضمي وتنظيم إيقاعه اليومي. كما تُظهر دراسات ميدانية أنّ الأشخاص الذين يتناولون كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة يوميًا يتمتعون بتوازن أفضل في البكتيريا المعوية، مقارنةً بمن يتجنّبون القهوة كليًا.

ولا تتوقف الفوائد عند هذا الحدّ، إذ بيّنت أبحاث حديثة أنّ القهوة قد تُسهم في الوقاية من أمراض الكبد والقولون بفضل قدرتها على تقليل الالتهاب المزمن وتحسين نشاط الإنزيمات المسؤولة عن تنظيف الجسم من السموم. بل إنّ بعض العلماء بدأوا يتحدّثون عن “القهوة كعنصر بريبيوتي طبيعي”، أي مادة تساعد على تغذية البكتيريا النافعة ودعم نموها، تمامًا كما تفعل الألياف الغذائية.

في المقابل، يوصي الباحثون بالاعتدال، لأنّ الإفراط في القهوة يمكن أن يسبب تهيّجًا عند الأشخاص ذوي الأمعاء الحسّاسة أو الذين يعانون من الارتجاع المريئي. كما أن طريقة التحضير تلعب دورًا مهمًا؛ فالقهوة المصفّاة أفضل لصحة الأمعاء من القهوة المغلية غير المصفّاة، لأنها تحتوي على نسبة أقل من الزيوت التي قد ترفع الكوليسترول.

ومع ذلك، فإنّ التوازن هو المفتاح. فحين تُستهلك القهوة باعتدال، وبطريقة طبيعية غير محلاة مفرطًا أو مشبعة بالكريمة، تتحوّل إلى مشروب “وظيفي” — أي غذاء يحمل فائدة طبية وقائية إلى جانب متعته اليومية. وهكذا، يصبح فنجان القهوة الصباحي أكثر من عادة؛ إنه وسيلة بسيطة لدعم جهازك الهضمي وتحفيز توازنه الداخلي. إنّها مفارقة جميلة: مشروب كنا نلجأ إليه لنستيقظ، يوقظ بدوره حياةً كاملة داخل أمعائنا.

خبر عاجل