تدعو الأديان السماويّة جميعها إلى الأخوّة والسلام، لكنّ الواقع العالمي يبرهن أنّ الحروب والنزاعات غالبًا ما تُشعلها دوافع دينيّة أو مذهبيّة أو عرقيّة. ففي الوقت الذي رفع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب شعار “السلام بالقوّة”، ما تزال مجازر تُرتكب بصمت ضدّ جماعات دينيّة، أبرزها ضدّ المسيحيين في نيجيريا منذ العام 2009، في مشهدٍ يفضح التناقض بين الشعارات الأمميّة والممارسات الميدانيّة.
بدأت المأساة النيجيرية مع حركة “بوكو حرام” التي أسّسها محمد يوسف العام 2002 كجماعة دعويّة ترفض التعليم الغربي وتتبنّى تفسيرًا متشدّدًا للإسلام. بعد مقتله العام 2009، تحوّلت الحركة بقيادة أبي بكر شيكاو إلى تنظيمٍ إرهابيّ دمويّ شنّ موجات من العنف ضدّ المسيحيين ومؤسسات الدولة، مستخدمًا التفجيرات والخطف والقتل الممنهج. ومن أبرز جرائم هذه الحركة، تفجير كنيسة كاثوليكية في عيد الميلاد العام 2011 في مادالا، ما أسفر عن عشرات القتلى وأظهر بوضوح استهدافها الرمزي للمسيحية وأعيادها.
بين عامَي 2011 و2014، تصاعدت الاعتداءات على الكنائس والقرى المسيحيّة، وتنوّعت بين القتل الجماعي، والتهجير القسري، وفرض الإسلام بالقوّة، وقد وثّقتها منظمات حقوقيّة مثل Human Rights Watch. وفي نيسان 2014، هزّ العالمَ اختطافُ 276 طالبة من مدرسة في تشبوك، في حادثة كشفت بوحشيّةٍ عن استعباد الفتيات وزواجهنّ القسريّ داخل معسكرات التنظيم.
تُقدَّر حصيلة هذا العنف منذ العام 2009 بأكثر من 52 ألف قتيل وملايين النازحين، وفق منظمات كـ Amnesty International وHuman Rights Watch التي صنّفت الانتهاكات كجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة. كما أكّد Observatory for Religious Freedom in Africa (ORFA) أنّ بين عامَي 2019 و2023 قُتل نحو 30.880 مدنيًّا، بينهم 16.769 مسيحيًّا. أمّا تقارير العام 2025 فتشير إلى استمرار المذابح: ففي كانون الأوّل هاجمت “بوكو حرام” قرية “بازير” وأحرقت كنيسة ومنازل، وفي نيسان من العام نفسه قتلت سبعة مسيحيين أثناء مراسم عزاء في “كواپله”.
وتؤكد بيانات Intersociety وAtlantic Post أنّه بين كانون الثاني وآب 2025 وحده، قُتل 7.087 مسيحيًّا واختُطف أكثر من 7.800، ما يعكس حجم المأساة المستمرّة في ظلّ تواطؤ الصمت الدولي. كما شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية مجازر مشابهة، منها ذبح نحو 70 مدنيًّا داخل كنيسة في شباط 2025، ومقتل 50 آخرين في حزيران من العام نفسه في إقليم “إيتوري”، ما يبيّن امتداد هذه الظاهرة إلى إفريقيا الوسطى.
هذه الوقائع ليست معزولة، بل تتقاطع مع اضطهاد الأقليات الدينية الأخرى في الشرق الأوسط، كالمسيحيين والدروز والعلويين خلال الحرب السورية، والمجازر التاريخيّة ضدّ مسيحيي لبنان في أعوام 1840 و1860 و1983، فضلا عمّا تعرّض له مسيحيّو العراق وسوريا في الإبادة التي خاضها عليهم تنظيم “داعش”، ومعهم الإيزيديين. كما لا يمكن إغفال ما يتعرّض له الأهواز في إيران منذ 100 سنة وحتّى اليوم. لقد كان المسيحيون غالبًا الضحية الأولى في مشاريع العنف والتهجير.
إنّ الصمت الدولي عن هذه الإبادة الصامتة بحقّ مسيحيّي نيجيريا وأفريقيا بحجّة النزاعات القبليّة، يُعدّ جريمة بحدّ ذاته. فكما نرفض ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من قمعٍ واحتلال، يجب بالقدر نفسه رفض ما يتعرّض له الآخرون من قتلٍ بسبب دينهم أو هويّتهم. لا يمكن للعدالة أن تكون انتقائيّة، ولا للإنسانيّة أن تُجزّأ.
اليوم، بات مطلوبًا من المجتمع الدولي إعادة النظر في مقاربته للقضايا الدينيّة والعرقيّة، والاعتراف بأنّ ما يحدث هو تطهير دينيّ منظّم يهدّد الوجود المسيحيّ في إفريقيا والشرق. وكما أسّس المفكّر اللبناني الدكتور شارل مالك للمادّة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنصّ على حرية المعتقد والضمير، فإنّ لبنان مدعوّ اليوم ليكون منارةً جديدة للعيش المشترك، لا ساحةً لصراع الأدلجة والهويّات.
فالإيمان بالإنسان هو الشرط الأوّل لبقاء الإنسان. إمّا أن نكون إنسانيّين جميعًا، أو أن نغرق في تواطؤ العمى الأخلاقيّ الذي يجعل الإبادة ممكنة. فالإنسانيّة لا تجزّأ، إمّا أن تكون إنسانًا وإمّا ألّا تكون. آن الأوان بأن نعترف بما اقترفه الإنسان بحقّ أخيه الإنسان تحت ذريعة الدّين. فهل نجرؤ في لبنان أن نكون المنطلَق لعودة الإنسانيّة إلى الإنسان؟، أم أنّ الأنسنة والأدلجة ضدّان… ويلتقيان؟.
.jpg)