#adsense

15 دقيقة في الطبيعة تكفي لتحسين المزاج

حجم الخط

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد الأميركية أن قضاء 15 دقيقة فقط في فضاء أخضر داخل المدن، مثل الحدائق العامة أو المساحات المزروعة بالأشجار، يمكن أن يحدث فرقًا ملموسًا في الحالة المزاجية ويقلل من مستويات القلق والتوتر لدى الأفراد، حتى في حال عدم ممارسة أي نشاط بدني. هذه النتيجة التي قد تبدو بسيطة من الخارج، تحمل في طيّاتها تحولًا مهمًا في فهم العلاقة بين البيئة الحضرية وصحة الإنسان النفسية، خصوصًا في عالم باتت وتيرته السريعة وضغوطه اليومية تدفع الناس أكثر نحو الانعزال عن الطبيعة.

أجرى الباحثون التجربة على مجموعة من المتطوعين في مدينة سان فرانسيسكو، وطلبوا من نصفهم قضاء 15 دقيقة في نزهة قصيرة داخل حديقة حضرية هادئة، بينما طُلب من النصف الآخر الجلوس في مكان مغلق داخل المدينة. بعد انتهاء التجربة، خضع المشاركون لاختبارات نفسية وقياسات بيولوجية لتحديد مستوى التوتر، مثل معدل نبض القلب وتركيز هرمون الكورتيزول في اللعاب. وأظهرت النتائج انخفاضًا ملحوظًا في مؤشرات التوتر لدى المجموعة الأولى، إلى جانب تحسّن في المزاج والشعور بالهدوء الداخلي والتركيز الذهني. المفارقة أن هذه التحسينات ظهرت بعد ربع ساعة فقط، ما يشير إلى أن الفوائد النفسية للطبيعة لا تحتاج بالضرورة إلى قضاء ساعات طويلة خارج المدينة أو في الغابات البعيدة.

يرى الباحثون أن السبب يعود إلى ما يسمّونه “الاستجابة البيولوجية الفطرية للطبيعة”، أي أن الدماغ البشري مبرمج منذ آلاف السنين على التفاعل إيجابًا مع عناصر البيئة الطبيعية، مثل اللون الأخضر، صوت الطيور، ورائحة النباتات. هذه العناصر ترسل إشارات مهدّئة إلى الجهاز العصبي اللاإرادي، فتخفض نشاط الجهاز المسؤول عن استجابات القتال أو الهروب، وتُفعّل في المقابل الجهاز الذي يساعد على الاسترخاء وتنظيم التنفس وضبط ضربات القلب. وبهذا، تصبح الطبيعة بمثابة “إعادة ضبط” للجسم والعقل بعد فترات طويلة من التعرض للضوضاء البصرية والسمعية التي تميّز المدن الكبرى.

ولعلّ اللافت في نتائج الدراسة أنّ تأثير الطبيعة الحضرية كان مشابهًا تقريبًا لتأثير قضاء الوقت في بيئات طبيعية أوسع مثل الجبال أو الشواطئ، وهو ما يُظهر أنّ المدن لا تفتقر بالضرورة إلى وسائل العناية بالصحة النفسية، بل يمكن تحويلها إلى فضاءات أكثر توازنًا عبر دمج الطبيعة في تصميمها العمراني. فالأشجار على جوانب الطرق، والمساحات الخضراء الصغيرة بين الأبنية، والأسطح المزروعة بالنباتات، ليست مجرد ديكور تجميلي، بل عوامل فعالة في تحسين جودة الحياة.

وتتوافق هذه النتائج مع دراسات سابقة أشارت إلى أنّ قضاء فترات قصيرة في الطبيعة يخفّض من النشاط المفرط في منطقة الدماغ المسؤولة عن التفكير السلبي المتكرر، المعروف بـ“الاجترار الذهني”، الذي يُعد من أبرز أسباب القلق والاكتئاب. كما أن التعرّض للضوء الطبيعي يزيد من إفراز السيروتونين، وهو الهرمون المسؤول عن الإحساس بالسعادة والاستقرار المزاجي. لذلك، فإن مجرد الجلوس على مقعد في حديقة عامة أو التجوّل في طريق تحيط به الأشجار يمكن أن يشكّل ممارسة علاجية مجانية لا تحتاج إلى معدات أو مجهود.

في ضوء هذه المعطيات، يدعو الخبراء الحكومات والبلديات إلى إعادة النظر في سياسات التخطيط الحضري، والتركيز على أهمية المساحات الخضراء كجزء أساسي من البنية التحتية للصحة العامة. فبينما تُنفق المدن مليارات الدولارات سنويًا على المستشفيات والأدوية، يمكن لاستثمار بسيط في زيادة الحدائق العامة وصيانتها أن يقدّم فوائد نفسية وبدنية طويلة الأمد للمجتمع. وربما الأهم أن هذه الفوائد لا تقتصر على البالغين فقط، بل تمتد إلى الأطفال وكبار السن الذين يحتاجون إلى مساحات آمنة ومريحة لتجديد طاقتهم وتقوية ارتباطهم بالعالم الطبيعي. إنّ 15 دقيقة من الطبيعة ليست ترفًا، بل وصفة بسيطة وفعالة لإعادة التوازن إلى الإنسان في زمن يغلب عليه الإسمنت والضجيج.

خبر عاجل