
في خطوة غريبة ومثيرة للاهتمام في عالم الغذاء، توصل فريق من الباحثين البولنديين إلى أنّ آيس-كريم مصنوع من حليب المهور قد يكون خياراً صحياً أكثر من الآيس-كريم التقليدي المصنوع من حليب الأبقار، خصوصاً من حيث سهولة الهضم ودعم صحة الأمعاء. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة علمية متخصصة في الأغذية الحيوية، حيث بيّن العلماء أنّ حليب المهور يمتلك تركيبة فريدة تجعله أقرب إلى حليب الإنسان من حيث المكونات الغذائية، وهو ما يفسّر قدرته العالية على تعزيز التوازن الميكروبي في الجهاز الهضمي.
الفريق البحثي من جامعة “نيكولاس كوبرنيكوس” في بولندا قام بإجراء تجارب على عينات من حليب المهور لإنتاج آيس-كريم يحتوي على بكتيريا البروبيوتيك المفيدة، وهي الكائنات الدقيقة التي تساعد في تحسين الهضم وتقوية جهاز المناعة. وبعد سلسلة من الاختبارات الكيميائية والميكروبيولوجية، تبيّن أنّ البروبيوتيك حافظت على نشاطها الحيوي داخل المنتج حتى بعد فترة التخزين، بعكس ما يحدث غالباً في منتجات الألبان الأخرى. كما أنّ نسبة الدهون في آيس-كريم حليب المهور كانت أقل بكثير من تلك الموجودة في منتجات الأبقار، ما يجعله مناسباً للأشخاص الذين يسعون إلى تقليل استهلاكهم للدهون المشبعة دون التخلي عن الحلويات الباردة.
واحدة من أبرز النتائج التي خرجت بها الدراسة هي أنّ البروتينات في حليب المهور أقلّ تسبباً للحساسية مقارنة بحليب الأبقار. فاللاكتوغلوبولين، وهو البروتين المسؤول غالباً عن تفاعلات الحساسية، يوجد بنسبة أقل بكثير، ما يجعل هذا النوع من الآيس-كريم خياراً واعداً لمن يعانون من تحسس الحليب أو صعوبة في هضمه. كذلك أظهر التحليل الكيميائي أنّ حليب المهور يحتوي على نسب أعلى من اللاكتوز الطبيعي، الأمر الذي يمنحه طعماً أكثر حلاوة ونعومة دون الحاجة إلى إضافة كميات كبيرة من السكر الصناعي.
وإلى جانب الفوائد الصحية، أشار الباحثون إلى أنّ حليب المهور غنيّ بالأحماض الدهنية غير المشبعة من نوع “أوميغا 3” و”أوميغا 6″، وهي عناصر تلعب دوراً مهماً في حماية القلب والمخ وتقوية الجهاز المناعي. كما أنه يحتوي على كميات ملحوظة من فيتامينات C و D و B12، إضافة إلى معادن كالكالسيوم والمغنيسيوم والحديد، ما يجعل منه مزيجاً غذائياً متكاملاً يمكن أن ينافس الحليب التقليدي من الناحية الصحية.
لكن رغم هذه النتائج الواعدة، يؤكد الخبراء أنّ تحويل هذا المنتج إلى سلعة تجارية واسعة الانتشار ليس أمراً سهلاً، إذ إنّ إنتاج حليب المهور محدود وصعب من الناحية اللوجستية والاقتصادية. فالمهور تنتج كميات صغيرة جداً من الحليب مقارنة بالأبقار، كما أن عملية الحلب تتطلب تعاملًا خاصًا للحفاظ على سلامة الحيوان وجودة الحليب. ومع ذلك، يرى العلماء أنّ هذه التحديات قد تُحفّز شركات الأغذية المبتكرة على استكشاف بدائل جديدة أكثر استدامة وصحية.
وفي السياق ذاته، أوصى الباحثون بإجراء المزيد من الدراسات على فاعلية هذا الحليب في تحسين صحة الأمعاء البشرية عند استهلاكه بشكل منتظم، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات في الهضم أو التهابات مزمنة في القولون. ويعتقد بعض الخبراء أنّ منتجات الألبان البديلة، مثل حليب المهور أو حليب الإبل، قد تمثّل مستقبل الأغذية الوظيفية التي تجمع بين الطعم اللذيذ والفائدة الصحية.
باختصار، ما يبدو في ظاهره تجربة غريبة لتحضير آيس-كريم من حليب غير مألوف، قد يكون في الحقيقة خطوة نحو ثورة غذائية جديدة، حيث تتحول الحلويات إلى وسيلة لتحسين الهضم ودعم التوازن الميكروبي في الجسم. فربما يصبح في المستقبل القريب تناول “آيس-كريم المهور” ليس مجرّد رفاهية صيفية، بل خياراً صحياً واعياً يعكس اتجاهاً متنامياً نحو أطعمة تجمع بين المتعة والفائدة في آن واحد.