#dfp #adsense

الحدثُ المُنتظر (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

الحدثُ المُنتظر

عندما يتحدّثُ بعضُ أركان السلطةِ، والمستَقوون الذين انتهَت صلاحيّة وجودِهم، عمّا يُسَمّى شبكة الأمانِ التي يوفّرونها للنّاس، ننتظرُ إنجازًا ينبغي الاحتفالُ بهِ كالمولودِ من امرأةٍ عاقر. إنّ شبكةَ الأمانِ الموهومة، بِقَدرِ ما يجبُ أن تنسحبَ على الدّاخلِ، أَمنًا، واستقرارًا، وعنايةً بحالِ النّاس، اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وصحيًّا، وتربويًّا… بِقَدرِ ما يجبُ أن تأخذَ بالاعتبارِ أشقّاءَنا المُقيمينَ خارجَ لبنان، على صعيدِ حقوقِهم، لا سيّما السياسيّة منها.

إنّ المعروفين مِمَّن يمسِكون بزمامِ الدولةِ، عندَنا، الذين جعلوا مصالحَهم أولويّة، تخلَّوا عن دورِهم الوظيفيّ في حفظِ حقِّ النّسيجِ الوطنيِّ بعيشٍ كريم، وكذلك، نحروا ضرورةَ الالتزامِ بحضورٍ فاعلٍ الى جانبِ المنتشِرين، ولم يصدرْ منهم، في هذا المجال، سوى جُمَلٍ مفكَّكَةٍ ليسَ لها مَذاق، وفي ذلك نَأيٌ فاضحٌ عن واجباتِهم الوطنيّةِ المُلزِمة.

إنّ المُقيمينَ في الخارجِ، أيًّا كانوا، وأينما وُجِدوا، ومن أيِّ زمنٍ تركوا الوطن، يتمتّعون بحقوقٍ شرعيّةٍ ينبغي إِدراجُها في أُولى اهتماماتِ المُقيمين، دولةً وشَعبًا على حَدٍّ سواء. فلا يغيبُ عن بالِنا أنّ الذين تركوا الوطنَ، تحتَ أيٍّ من الظّروف، همُ المُكَوِّنُ الذي أعادَ لبنانَ الى الطاولةِ الأُمَميّة، والعالَمَ الى الطاولةِ اللبنانيّة، ما يدحضُ، تمامًا،المحتوى المحطَّم لمواقفِ النّفعيّينَ، ودُمى الفساد والوصوليّة، فلا أحد ينفي مستوى الفائدةِ التي يمكنُ للوطنِ أن يجنيَها من تحرّكِ المُنتشِرينَ في الخارج، وعلى كلِّ صعيد.

إنّ الحناجرَ النَمَطيّةَ التي لا تستفيقُ إلّا على نَكْزِ منافعِها، لا تُجيدُ سوى فولكلورِ العَبَثِ، والانقلابِ على الحقِّ، وتشويهِ الحقيقة، وإهدارِ كرامةِ الوطنِ وأهلِه، وهي، بذلك، تعاني من خَلَلٍ مركزيٍّ اسمُهُ الحسُّ الوطنيّ. وآخرُ منجزاتِ المنفصِمينَ، وطنيًّا، هرطقة موتورةٌ تدعو الى تقليصِ مشاركةِ المنتشِرين، جميعهم، بستّة نوّاب فلا يكونُ لتلك البدعة أيُّ تأثيرٍ، أو فعاليّةٍ، في نتائجِ الانتخاب.

إنّ هذا الموقفَ المرفوض، بقَدرِ ما هو مُهَشِّمٌ لصحّةِ مشاركةِ المغتربين، بقَدرِ ما هو مُهينٌ لهم بما يعنيهِ من استخفافٍ بهم، وتهميشِهم وطنيًّا، ودَفعِهم باتّجاهِ الإحباطِ، والاشمئزاز، ما يستتبعُ، ربّما، العودةَ عن الاندفاعِ في تَبَنّي القضية اللبنانية وطرحها فوقَ منابرِ دُوَلِ العالَم. في الحقيقة، إنّ مَنْ يتّخذونَ موقفَ إقصاءِ المغتربينَ عن المشاركةِ في الانتخاباتِ القادمة، لأهدافٍ مشبوهة، هم بحاجةٍ الى تَسميدِ مساحاتِ حسِّهم الوطنيِّ المُقفِرةِ، بوجدانيّاتٍ ولائيّةٍ سليمة، بشرط أنْ يُشَرِّعوا نفوسَهم لتَقَبُّلِها، وليس ذلك مَضمونًا…

أمّا حساباتُ هؤلاءِ الانتخابيّة فواضحةُ، تمامًا. إنّ النّاخِبين، في الخارج، بإمكانِهم، إذا توفَّرَت لهم الظّروفُ اللّوجستيّةُ المناسِبة، وإذا توافَدوا ، بكثرةٍ، الى صناديقِ الاقتراعِ في السّفاراتِ والقنصليّات، أن يقلبوا الطاولةَ على الذين يَحلمونَ باستمرارِ تسلّطِهم، وتحكُّمِهم، ومصادرتِهم قرارَ الوطن، وترسيخِ هيمنتِهم بفَرطِ الفسادِ، والاستقواء. فغالبيّةُ الموجودينَ خارجَ لبنان، وإلى أيِّ مِلَّةٍ انتَمَوا، أو مَشرَبٍ، ضاقوا ذَرعًا بسلوكِ الجاثِمينَ على رأسِ السلطةِ، وعلى رِقابِ الناس، قَهرًا، وظلمًا، وكراهيةً، وافتراءً، وتلويثًا لصورةِ الوطن، وتدهورًا دراماتيكيًا لحقوقِ الشّعبِ…وكأنّ هؤلاءِ المهاجِرينَ التَقَوا، في غالبيّتِهم الكُبرى، على تَدوينِ انقلابٍ يمكنُ أن تُطلَقَ عليهِ صفةُ ” الحَدثِ التاريخيّ ” الذي، به، ينبلجُ فجرُ التّنوير، والانتقال الحاسم الى زمنِ الدولةِ، ومنطقِ الحقّ، ونهضةِ لبنانَ بعدَ انحطاطٍ ضارٍ أعادَه الى ما قبل القرونِ الوُسطى.

إنّ المغتربين هم جزءٌ أساسيٌّ من كيانِ لبنان، تجذَّرَ الوطنُ في لاوعيِهم وفي عمقِ وجدانِهم، فما غابَت عنهم، بتاتًا، ثقافةُ الانتماء والولاء. وهم، في دُوَلِ الانتشار، حجمٌ فاعلٌ في قطاعاتِ الاقتصادِ، والسياسة، والثقافة، والاجتماع وسواها، وإمكانيّاتُهم هائلةٌ في تنميةِ هذه البلدانِ المُضيفة، وقيمةٌ إنسانيّةٌ راقيةٌ في مؤسّساتِها، ما بَوَّأَهم المراكزَ المرموقةَ التي ارتدَّت على داخلِ لبنان تعويضًا عمّا يعانيه من تدهورٍ اقتصاديٍّ، بالتّحويلاتِ الماليّةِ المستمرّة، وإيجابيّةً على حَملِ القضيةِ اللبنانيّةِ الى المَحافلِ العالميّة.

إنّ مشاركةَ المغتربينَ في الانتخاباتِ المُقبِلَة، حقٌّ طبيعيٌّ من غيرِ المسموحِ غَصْبُهم إيّاه، ففي ذلك عَطَبٌ لِعَصَبٍ وطنيٍّ لا يزالُ يضخُّ قدرةً في جسمِ الوطنِ الذّاوي، وخَنقٌ لصَوتٍ مناضِلٍ في سبيلِ قضيّةٍ مقدَّسة. من هنا، فإنّ مشاركةَ المغتربينَ، وفي كلِّ الدّوائر، حقٌّ وطنيٌّ من شأنِه أن يبدِّلَ في النتائجِ، وفي مَنْ يُمسكُ بالقرار، وهذا، بالذات، ما يُرعِبُ ” الخِردةَ ” التي صَيَّرَت، بفسادِها، الوطنَ ” خِردَة “​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل