Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ الذهب يواصل التحليق.. الملاذ الآمن في زمن الاضطرابات (أمين القصيفي)

الذهب

تواصل أسعار “المعدن الأصفر” صعودها المضطرد إلى مستويات غير مسبوقة على الإطلاق، خصوصاً منذ مطلع العام الحالي، إذ ارتفع سعر أونصة الذهب من حوالي 2.658 دولاراً منتصف كانون الثاني الماضي، ليقترب قبل أيام من التداول فوق الـ4.400 دولار للأونصة، قبل أن يعود للتداول بحوالي 4.020 دولاراً للأونصة بالأمس. لكن التوقعات تشير إلى أن الذهب سيواصل التحليق في العام المقبل، مدفوعاً بجملة عوامل منها، سعي المستثمرين إلى الملاذ الآمن في ظل الضبابية الاقتصادية والجيوسياسية المتصاعدة، إلى جانب توقع إقدام الاحتياطي الاتحادي الأميركي على مزيد من تخفيضات الفائدة، والزخم الكبير في تداولات الذهب بسبب مشتريات البنوك المركزية التي تخطت 900 طن في أول 9 أشهر من العام الحالي، وعلى رأسها البنك المركزي الصيني وبنوك في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن صناديق الاستثمار المرتبطة بالذهب والتي حازت كميات كبيرة من السبائك مما زاد الطلب على المعدن الأصفر، وغيرها من العوامل.

إذاً، ارتفاع أسعار الذهب المتواصل والتوقعات بمواصلة الاتجاه صعوداً في العام 2026، مرتبط بعوامل عدة. ويرى البروفسور، جاسم عجاقة، أن الأسواق العالمية تصدر إشارات مقلقة إثر خروج أهم سلعتين عالميتين، أي الذهب والنفط الخام، عن مسارهما التاريخي المعتاد، وهي ظاهرة لم يشهدها التاريخ الاقتصادي. ففي مُقابل ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية مع تجاوزها عتبة 4.200 دولار أميركي للأونصة الواحدة لتُسجل رقماً قياسياً جديداً جاور 4.400 دولار، تراجعت أسعار النفط العالمية الآجلة من خام برنت وغرب تكساس الوسيط (WTI) إلى أدنى مستوياتها في سنوات، إذ انخفض سعر برميل برنت إلى ما دون 61 دولاراً وWTI إلى ما دون 58 دولاراً!.

عجاقة يوضح، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذا التباعد الحاد، رفع نسبة أسعار الذهب إلى أسعار النفط. فبعدما كانت هذه النسبة لا تتعدّى 18، وصلت اليوم إلى مستويات تاريخية مع نسبة تُقارب 75. وبالتالي، هذا التباعد الكبير بين سعر الذهب وسعر الخام الأميركي، لا يعكس كفاءة السوق بقدر ما هو دليل صارخ على أزمة اقتصادية مُتجذّرة، تعيش على التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين المالي، والتوقّعات من حدوث أزمة طلب عالمية.

يضيف: “تقنياً، كان هناك ترابط إيجابي بين سعر الذهب وسعر النفط. سابقاً، ارتفاع سعر النفط كان يدلّ إلى ارتفاع التضخّم الذي كان يدفع المُستثمرين للجوء إلى الملاذ الآمن، أي الذهب. غير أن ما نشهده اليوم هو فكّ فعلي لهذا الترابط الإيجابي بين أسعار السلعتين،ما يشكل تهديداً جدّياً للاقتصاد العالمي بحدوث أزمة ركود تضخّمي”.

عن الأسباب التي تدفع أسعار الذهب صعوداً، يلفت عجاقة إلى أن الذهب هو ملاذ آمن تاريخياً، وبالتالي في مراحل عدم اليقين الاقتصادي أو الجيوسياسي يلجأ المستثمرون إلى الذهب للحفاظ على قيمة رأس المال. أسباب الارتفاع تعود إلى مجموعة عوامل أفقدت المُستثمرين الثقة بالأصول المالية وعلى رأسها الدولار الأميركي.

فالدافع الهيكلي الأهم وراء ارتفاع أسعار الذهب هو أن المصارف المركزية، خصوصاً في الأسواق الناشئة، تعمد إلى شراء الذهب بشكل غير مسبوق مُقابل احتياطياتها من الدولار بهدف التنويع وتقليل الاعتماد على الدولار. هذه الرغبة لدى المصارف المركزية تأتي من باب أن الدولار أصبح أداة سياسية بيد السلطة السياسية الأميركية، أضف إلى ذلك زيادة حجم الدين العام الأميركي والذي تجاوز 33 تريليون دولار!.

بالإضافة إلى ذلك،  يشير عجاقة إلى أن أسعار الذهب تلقّت دفعاً كبيراً من توقّعات الأسواق المالية لجهة خفض الفائدة في الولايات المُتحدة. وبالتالي هناك شبه تأكيد بأن يقوم الاحتياطي الفدرالي بموجة جديدة من تخفيض سعر الفائدة، ما يجعل الذهب مرغوباً لدى المُستثمرين بحكم أن انخفاض أسعار الفائدة يُقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به. والأهم في هذه التوقّعات هو أن ارتفاع أسعار الذهب هو في مسار طويل الأجل. كذلك، تلعب التوترات الجيوسياسية والجيو- إقتصادية دوراً رئيسياً في رفع المخاطر في الأسواق المالية، وتدفع المُستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب بوصفه الملاذ الآمن التقليدي.

عجاقة يوضح، أن التراجع الحاد في سعر النفط الخام يشير إلى مخاطر اقتصادية كبيرة، من باب التراجع في الطلب على أهم مادة إستراتيجية تُعتبر عصب الاقتصاد والمحرّك الأساسي للنمو، ومن باب الفائض في العرض:

أولاً: تراجع الطلب على النفط هو مؤشّر قوي وجدّي على تراجع النشاط الاقتصادي العالمي. فمن جهة، يُعاني ثاني أكبر اقتصاد في العالم من تباطؤ واضح نتيجة التعريفات الجمركية الأميركية والإجراءات الصينية، وغيرها، التي حدّت من الإنتاج وضربت الاستثمار. إضافةً إلى التحوّل في الطاقة خصوصاً في قطاع النقل.

ثانياً: من باب العرض، أدّى الإنتاج الأميركي الوفير من النفط الصخري وفشل دول “أوبك+” في الإستمرار بلجم الإنتاج، إلى زيادة في المعروض مع فائض يُقارب المليون برميل يومياً. وهذا كفيل بالضغط نزولاً على الأسعار.

عجاقة يشير، إلى أن فك الترابط الإيجابي بين أسعار الذهب وأسعار النفط، يُنذر بوقوع الاقتصاد العالمي في حالة من الركود التضخّمي. فارتفاع أسعار الذهب مؤشّر على عدم استقرار مالي، خصوصاً على صعيد الديون السيادية ولكن أيضاً على صعيد قيمة العملات الأساسية. إلا أن الأهم هو أن اللجوء إلى الذهب يُشكّل إنذاراً من موجة تضخّم قد تضرب الاقتصاد العالمي، خصوصاً من باب العرض الذي يؤكّد تراجعه، تراجع الطلب على النفط، أي تراجع الإنتاج الصناعي وانهيار الاستثمارات، وهو ما يعني انكماشاً اقتصادياً تضخّمياً!.​

Exit mobile version