#adsense

اكتشاف 14 نوعاً بحرياً جديداً في أعماق المحيط الهادئ

حجم الخط

في اكتشاف علمي مثير يعيد تسليط الضوء على ثراء أعماق البحار وغموضها، أعلن فريق من العلماء الدوليين عن اكتشاف 14 نوعاً بحرياً جديداً في أعماق المحيط الهادئ، ضمن بعثة بحثية استكشافية قادها “المركز الوطني لعلوم المحيطات” في بريطانيا، بالتعاون مع جامعات ومؤسسات علمية من اليابان وألمانيا.
هذا الاكتشاف الذي جرى في منطقة نائية تُعرف باسم “Clario Fracture Zone” الواقعة بين هاواي والمكسيك، يُعد من أهم الاكتشافات البحرية في السنوات الأخيرة، إذ كشف عن مخلوقات بحرية لم يُشاهد مثلها من قبل، بعضها بأشكال وألوان تبدو وكأنها تنتمي إلى عوالم خيالية أكثر منها إلى كوكب الأرض.

العلماء استخدموا غواصات آلية مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وأذرع روبوتية لجمع العينات من عمق يتجاوز 5 آلاف متر، في بيئة مظلمة شديدة الضغط وقليلة الأوكسجين. هناك، رُصدت أنواع جديدة من الدود البحري والإسفنجيات والقشريات والرخويات الدقيقة، إضافة إلى مخلوقات شفافة تشبه الجيلاتين تسبح ببطء بين التيارات العميقة. بعض هذه الكائنات، مثل ما أُطلق عليه اسم “الديدان الفشارية” بسبب شكلها الغريب المشابه لحبوب الفشار المتفجرة، أثار دهشة العلماء بسبب قدرته على التوهج البيولوجي الطبيعي، ما يجعله يضيء في الظلام كوسيلة تواصل أو تمويه من المفترسات.

وقال الباحث البريطاني الدكتور توماس لينغ، أحد المشاركين في المشروع، إن هذه الكائنات “تُعدّ دليلاً على أنّ المحيطات لا تزال تحمل أسراراً لا تُقدّر بثمن، وأنّ ما نعرفه عن الحياة البحرية لا يتعدى القشرة الخارجية لعالمٍ واسعٍ لم يُستكشف بعد”. وأوضح أن معظم الأنواع المكتشفة صغيرة الحجم ولا تتجاوز بضعة سنتيمترات، لكنها تؤدي دوراً محورياً في سلسلة التوازن البيئي للمحيطات، خصوصاً في عملية إعادة تدوير الكربون من الأعماق إلى السطح.

ويُعتبر هذا الاكتشاف ذا أهمية خاصة لأنه جاء من منطقة تُعدّ محوراً للنقاش العالمي حول مشاريع التعدين في أعماق البحار. فالموقع نفسه يحتوي على كميات ضخمة من العقد المعدنية الغنية بالنيكل والكوبالت والمنغنيز، وهي معادن أساسية في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية. لكن العلماء يحذرون من أن عمليات استخراج هذه الموارد قد تدمّر نظمًا بيئية فريدة قبل أن تُكتشف بالكامل. ويؤكد الباحثون أنّ العثور على هذه الأنواع الجديدة يجب أن يكون جرس إنذار للمجتمع الدولي لوقف أو تأجيل مشاريع التعدين حتى تُجرى دراسات بيئية شاملة حول آثارها.

من جهةٍ أخرى، أظهرت التحاليل الجينية التي أُجريت على العينات أنّ العديد من هذه الأنواع تنتمي إلى سلالاتٍ قديمة جداً تعود إلى عشرات ملايين السنين، وبعضها تطوّر في عزلة تامة بعيداً عن تأثير العوامل السطحية، ما يمنح العلماء فرصة نادرة لدراسة التطور البيولوجي في بيئات مغلقة ومعزولة. فالكائنات التي تعيش في هذه الأعماق طوّرت آليات فريدة للبقاء في ظروف من الضغط والظلام والبرد القارس، مثل جلود شبه شفافة، وإنزيمات مقاومة للتجمّد، وقدرة مذهلة على تحويل الطاقة الكيميائية إلى ضوء.

كما لفتت البعثة الانتباه إلى ظاهرة مذهلة أخرى: وجود كائنات “هجينة” تجمع صفات من مجموعات مختلفة من الكائنات البحرية، ما يشير إلى احتمالات جديدة في فهم عملية الانتقاء الطبيعي في البيئات القصوى. بعض العينات التي جُمعت ستُعرض لاحقاً في متاحف علمية كبرى، فيما ستُرسل أخرى إلى مختبرات خاصة لإجراء دراسات جينية معمّقة قد تكشف عن مركّبات أو بروتينات جديدة قابلة للاستخدام في المجالات الطبية أو الصناعية.

هذا الاكتشاف، على غرابته، يذكّر البشرية بأنّ أعماق المحيطات ما زالت تمثّل آخر الحدود غير المستكشفة على الأرض. فبينما نبحث عن حياة في كواكب بعيدة، ما زالت الحياة على كوكبنا تخبّئ لنا مفاجآت مذهلة في الظلام السحيق تحت الأمواج. إنها رسالة من الطبيعة بأنّ التنوّع البيولوجي ليس ترفاً علمياً، بل ثروة حقيقية تستحق الحماية، لأنّ كل كائن – مهما بدا بسيطاً أو غريباً – هو خيط في شبكة الحياة التي تُبقي كوكبنا نابضاً بالحياة.

خبر عاجل