
قرأت عنوانًا أعجبني كثيرًا: “القوات لنبيه بري: سكّرنا الدكانة”! معبِر جدًا العنوان، بعضهم اعتبرها معركة شخصية بين سمير جعجع ونبيه بري! غريب هذا التحليل، ولماذا تكون معركة “شخصية”؟! بتاريخ نضاله الطويل، لم يعتبر سمير جعجع أي معركة من المعارك السياسية الشاقة التي خاضها، أنها معارك شخصية للانتقام مثلًا ممن سجنه أو ممن اعتقل الشباب واضطهدهم، لم ينسَ الرجل ما فعلوا بـ”القوات اللبنانية” بالتأكيد، لكنه سامح على المستوى الشخصي، إنما على المستوى النضالي لا تسامح في القضايا الوطنية المصيرية، ومعركة القوات مع نبيه بري “الصديق المهضموم” معركة وطنية بامتياز، معركة لإثبات الدستور ولاسترجاع المجلس النيابي من الشخصنة والمزاجية الفردية ومن التعامل مع القوانين والدستور باستخفاف، ومن انتشال رئاسة المجلس من زعامة الميليشيا وإعادته بيتًا للديمقراطية العريقة المصانة بالقوانين. هذه معركة “القوات اللبنانية” مع نبيه بري رئيس البرلمان الذي يحكم كقائد ميليشيا مسلحة داعمة لميليشيا مسلحة.
قالوا له “ما في نصاب” يعني ما في نصاب، لجلسة شاء منها نبيه بري سرقة وتطيير حق المغتربين بالاقتراع لـ128 نائبًا، وحققت القوات مع حلفائها السياديين الهدف وعطلوا الجلسة. قالوا له بالفم الملآن كما كان قال له الحكيم “رح قلك كلام من 40 سنة ما حدن قلّك اياه، مش إنت يللي بتحكم البرلمان، إنما الغالبية النيابية” وحصل. تضافرت القوى السيادية مع بعضها البعض ولقنوا “سيد” البرلمان درسًا قاسيًا وعريقًا بالديمقراطية وحق الرفض، ولو جاء بالتعطيل، لأن التعطيل في هذه الحال واجب مقدس ووسيلة مشروعة للمحافظة على حقوق لبنانيين، هم من وراء البحار صحيح، لكن من حقهم أن ينتخبوا ويشاركوا في صنع القرار في وطنهم، ونبيه بري يمنع عنهم بـ”السلبطة” هذا الحق المكتسب. كان من واجب السياديين تعطيل الجلسة، ووضع حد لغرور نبيه بري، زعيم ميليشيا حركة “أمل” وليس رئيس مجلس النواب كما يُفترض أن يكون، فكان الدرس الأول بأن “نحنا بدنا وفينا”، ولا تستخف بقوى الآخرين خصوصًا عندما تجتمع وتتلاقى على هدف واحد. والدرس الثاني الأقسى بعد أن نبيه بري ليس إمبراطورًا كما يتصرف منذ عقود، والنواب ليسوا مجرد رعايا في حظيرة الأستاذ، إنهم نواب الأمة على سن ورمح، يمثلون أصوات الناس المجروحة المقهورة من ممارسات استفزازية ميليشيوية ومع هؤلاء النواب أرادوا تحرير البرلمان وأصواتهم من نير الاستفراد والتسلط والعنجهية المفرطة. قالوا له بالفم الملآن “انتهت أيام زمان والآتي أعظم”. أما الدرس الثالث القاسي جدًا لمن اعتاد التحكم الى درجة البلطجة في أعرق المؤسسات الدستورية في البلاد، بأن لا شيء يدوم، ولا استمرارية للباطل وأنه مهما طال الزمن ما بيصح إلا الصحيح. ويبقى الدرس الرابع والأهم، بأنه حين يتكاتف الحق المسيج بالإيمان، وعندما يصبح إيماننا بحجم حبة الخردل، بقدرتنا على مواجهة أي باطل ونقول حينها للجبل “زيح بيزيح” كما يقول السيد المسيح، وهذا ما فعله السياديون في تلك الجلسة بعدما أنذروا بري بأنهم سيعطلون ولم يصدق، ونام على حرير ليستيقظ صباحًا وليضرب المطرقة عند الحادية عشرة والنصف ويعلن بمرارة واضحة وغضب مكتوم “أعلن تأجيل الجلسة لأن النصاب لم يكتمل”، ما أجمل هذا الانتصار ولو كان بسيطًا بالنسبة للبعض، لكن ستتبعه انتصارات مشابهة، انتصارات ليست شخصية لأجل سمير جعجع أبدًا، حتى لو كان رأس الحربة في المواجهة مع تسلط نبيه بري، لكنها ستكون انتصارات لأجل الشعب اللبناني بأكمله وبطوائفه كافة، انتصارات للسياديين كافة في مجلس النواب، انتصارات ومواجهات لأجل استعادة البرلمان من رئاسة الحكم الميليشوي.
لم تقف الامور عند تعطيل الجلسة التي كان سيرفض في خلالها نبيه بري تعديل المادة 112 التي تتيح للمغتربين حق الاقتراع لـ128 نائبًا، بل انتقلت المواجهة الى مجلس الوزراء في اليوم التالي. في الحكومة أدرج مشروع قانون وزير الخارجية يوسف رجي، المطالب بتعديل المادة 112 على آخر جدول الأعمال كمن يهرب من الأمة، كمن يهرب من حاله، كمن يغطس رأسه في الرمال وجسده تحت وابل المصائب، هروب شاءت منه الحكومة الا تزعِل نبيه بري! وإذا زعل الأستاذ ماذا كان سيحصل؟ كان سينتخب المغتربون براحة في سفارات بلدانهم حيث يتوزعون، هذا ثمن زعله، الديمقراطية والمشاركة الحرة بتقرير بلدهم. لكن الحكومة “المُسالمة” زيادة عن اللزوم، رحّلت المشكلة الى جلسة مقبلة، بعد تشكيل لجنة لمناقشة قانون الانتخاب، وذلك بعد إصرار وزراء القوات على مناقشته تحت طائلة الانسحاب من الجلسة.
إذًا هو نصف انتصار في الحكومة بعد الانتصار الكامل في البرلمان، لكن ما بين الانتصارين وقف نبيه بري على حافة هاوية غير مريحة على الإطلاق، حافة نهاية غير مشرِفة لمن تحكّم على مدى نحو أربعين عامًا بجلسات البرلمان وبقرارته التي كانت غالبًا مُصادرة منه ومن حليفته ميليشيا إيران التي تَحوَّل الى ملاكها الحارس منذ خسارتها المدوية للحرب مع إسرائيل ودمار لبنان.
باختصار تغيرت الأيام على نبيه بري الذي حكم البرلمان لعقود، صار عبئًا ثقيلًا عليه، بعدما حوّلت “القوات اللبنانية” وحلفاؤها المعركة الى معركة وجود.
ما في نصاب، يعني ما في نصاب يا أستاذ، فلتسمع لمرة هدير الديمقراطية الزاحف الى تلك المطرقة…
