صحيفة النهار – علي حمادة
حملت زيارة المبعوثة الأميركية للبنان مورغان أورتاغوس زخما متجددا لفكرة كانت مُغَيّبة عن النقاش اللبناني العام، هي فكرة التفاوض المباشر أو غير المباشر “المعزز” بين لبنان وإسرائيل لحل الملفات المتنازع عليها بين البلدين. والحقيقة أن الفكرة من حيث المبدأ تحظى بتأييد واسع في مختلف المكونات الطائفية اللبنانية، في حين تبقى البيئة الشيعية معارضة بشراسة، لأسباب معروفة وإلى حد معين مفهومة، أقله بالنسبة إلى الحجم الكبير من الدماء التي سالت بين إسرائيل و”الحزب”، المُشكّل أساسا من عناصر ينتمون إلى المكوّن الطائفي الشيعي. ولا ننسى التاريخ الصعب لاحتلال إسرائيل في السابق أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني. ولكن كما هو معروف أيضا، إن المكونات اللبنانية الأخرى، بسبب تأزم علاقاتها السياسية مع ممثلَيْ الطائفية الشيعية، تتحسس كثيرا من الخيارات السياسية والأمنية التي يدافع عنها كل من “الحزب” وحركة “أمل”، في اصطفافهما خلف السياسة الإيرانية التي جعلت من لبنان قاعدة عسكرية تابعة لإيران، وأخذت البلاد رهينة في حرب النفوذ بينها وبين إسرائيل. غير أن عدم ممانعة أكثرية لبنانية كبيرة مبدأ التفاوض مع إسرائيل، ليس أوتوماتيكيا، لأنه يحتاج إلى تأمين مصالح لبنان المشروعة أسوة بالمصالح الإسرائيلية المنطقية. وعندما نتحدث عن التفاوض، فإنه يمكن أن يكون غير مباشر و”معززا”، بمعنى أن تكون الوفود المفاوضة برعاية أميركية، عسكرية- سياسية، بخلاف ما درجت عليها العادة.
في المقابل، فإن مبدأ التفاوض المباشر صعب للغاية في المدى المنظور ما لم يسبقه اتفاق ينهي احتلال أراضٍ لبنانية، وينهي في شكل حاسم الصدام العسكري والأمني على جانبي الحدود، ويمنح لبنان ولاسيما الجنوب نوعا من الأمن والاستقرار والطمأنينة وأملاً بالازدهار، في مقابل إنهاء ظاهرة السلاح من خارج الشرعية في لبنان، وحلّ جميع الميليشيات وفي طليعتها “الحزب” وبقية الميليشيات التي تدور في فلكه.
انطلاقا من هنا، يصعب القول إن المرحلة الحالية يمكن أن تُفضي إلى مفاوضات و”سلام” قبل أن تتحقق جملة شروط، وأن يترسخ المسار الإقليمي الحالي أكثر. ولِنَقُل بصراحة: اليوم سيكون من الصعب، من دون أن يكون مستحيلا، أخذ لبنان إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل قبل أن تترسخ هزيمة إيران ومحورها في المنطقة. ففي هذه الحالة قد تنعكس هزيمة إيران ومحورها الواضحة على الداخل اللبناني، وعلى المكونات والجماعات اللبنانية، وهي التي اشتهرت بأنها تتعامل مع المتغيرات الإقليمية الكبيرة ببراغماتية لا حدود لها، وتتأقلم مع أي حالة مستجدة على نحو كان يمكن تخيُّله حتى في أكثر الأحلام غرابة!
إذا نحن نقول إن المفاوضات غير المباشرة “المعززة” (عسكرية- سياسية) ممكنة اليوم، لكن الإنجازات التي تأمل الولايات المتحدة تحقيقها لن ترى النور ما لم يترسخ تراجع النفوذ الإيراني وصولا إلى هزيمتها الإقليمية التي لا بد أن تنعكس بفاعلية كبيرة على واقع “الحزب” المتمسك بسلاحه، رغم ما لحق به من خسائر في الحرب الأخيرة.
بالنسبة إلى التفاوض المباشر، إن وقته لم يحن بعد في ظل ارتفاع حدة التوتر العسكري بين إسرائيل و”الحزب” الذي يرفض مجرد طرح فكرة نزع سلاحه ليتحول إلى العمل السياسي كغيره من الأحزاب اللبنانية. وثمة عامل آخر يمكن إيراده، هو نُدْرة السياسيين اللبنانيين الشجعان الذين يجرؤون على مواجهة ذلك الحزب، على الرغم من أنهم في العمق لا يكنّون له ودّاً ولا تقديرا، بل على العكس تماما، ينتظرون موعد سقوطه لكي يغسلوا أيديهم منه.