
شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً غير مسبوق في حدة العمليات الإسرائيلية، حيث زادت إسرائيل من وتيرة ضرباتها بشكل كبير، متجاوزة قواعد الاشتباك التقليدية لتشمل أهدافاً نوعية في الجنوب والبقاع. هذا التصعيد لم يقتصر على الغارات الجوية، بل تم تنفيذه توازياً مع توغلات داخل الأراضي اللبنانية، كما حدث في بلدة بليدا الجنوبية. هذه التوغلات، التي استهدفت “عامل بلدية يعمل لمصلحة “الحزب” كما زعمت” إسرائيل، تشير إلى تحول تكتيكي خطير، الانتقال من الضربات البعيدة المدى إلى العمليات الخاصة النوعية التي تعكس امتلاك إسرائيل لقدرات استخباراتية دقيقة على الأرض.
تعليقاً على التوغل، يشير مصد أمني لموقع القوات اللبنانية إلى أن، “كل هذا التصعيد يأتي في وقت يطالب فيه المجتمع الدولي بتسريع عملية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ، كاشفاُ عن تقارير استخباراتية غربية وعربية متعددة تؤكد أن الحزب يقوم بتهريب أسلحة إلى لبنان بشكل ممنهج عبر المعابر غير الشرعية والطرق السرية من أجل إعادة بناء قدراته الصاروخية واللوجستية التي استُنزفت خلال الفترة الماضية. هذه الشحنات المهربة تتضمن عادةً مكونات صاروخية دقيقة التوجيه وأسلحة خفيفة ومتوسطة، مما يشكل خرقاً واضحاً للقرار الدولي”.
أما عن التوغل الذي حصل في بليدا، يقول المصدر إن عمليات التصفية المباشرة قد تكون محاولة إسرائيلية لـ “التنفيذ الذاتي” لبنود القرار 1701، أو محاولة لجس نبض الدفاعات اللبنانية وتحديد أماكن تلك الصواريخ والقيام بعمليات إنزال مباشرة لمعالجتها وتفجيرها”.
على صعيد أخر، يعكس السلوك الحالي لـ “الحزب” حالةً من التخبط الظاهري الذي يثير التساؤلات إذ يتجلى بوضوح في التباين بين الكلام عن إعادة بناء قوة “الحزب” من جديد، وهو ما تؤكده تقارير تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية اللبنانية، وبين صمته المطبق وغير المعتاد على كل الاستهدافات الإسرائيلية النوعية التي تضرب عمق مواقعه وبنيته اللوجستية.
هناك تحليلان رئيسيان لهذه الظاهرة التي تبدو وكأنها إرباك تكتيكي وفقاً لخبراء في الشأن الاستراتيجي:
يرى المحللون العسكريون أن “الحزب” يحاول إخفاء قدراته الاستراتيجية تجنباً للضربة الموسعة التي حذر منها الموفدون الدوليون إلى لبنان، بمن فيهم الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، ومدير المخابرات المصرية، فالمعلومات تشير إلى أن “الحزب” سحب وحداته النخبوية والقيادات الرئيسية إلى مواقع محصنة ومناطق عميقة، وتحوّل إلى استخدام وحدات أقل ظهورا وتكلفة، الهدف هنا هو تقليل الأصول المعرضة للخطر وحماية “بنك الأهداف” الذي لم يُستهدف بعد، مما يسمح له بالاحتفاظ بقدرة ولو كانت خفيفة في حال توسعت المواجهة.
الامر الثاني، يبدو أن الرسائل الدولية، التي تضمنت إنذاراً بمهلة زمنية محددة، قد وصلت إلى “الحزب” عبر قنوات غير مباشرة، ما يطرح السؤال هنا، “هل تلقى “الحزب” الرسالة؟ الأرجح أن صمته ليس صمت ضعف، بل هو صمت استراتيجي لإدارة المخاطر. بامتناعه عن الرد على كل ضربة، وترك الباب مفتوحاً أمام الوساطة الدولية التي تسعى لوقف التصعيد. إن “التخبط” الظاهري هو في حقيقته مناورة للحفاظ على توازن تكتيكي بين ضغوط إعادة التموضع العسكري والاستجابة لمطالب المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه أي إيران.