
برحيل جورج إلياس الملقّب بـ”الشاتو”، تُطوى صفحة من صفحات النضال الشريف في تاريخ بلدة بقاعكفرا، وتُطوى معها حكاية رجل عاش للقضية ولم يعرف المساومة يومًا، فكان اسمه مرادفًا للوفاء والرجولة و”القوات اللبنانية”. منذ صباه، حين كان في الرابعة عشرة من عمره، انخرط في صفوف “القوات اللبنانية“، مدفوعًا بإيمانٍ راسخ بلبنان الحرّ والسيّد والمستقلّ. لم يكن بعد قد أكمل طفولته، لكنّه اختار طريق الرجال، وسلك درب الشجاعة في زمنٍ كان الخوف فيه سيّدًا على النفوس. حمل البندقية، لا طمعًا ولا حقدًا، بل دفاعًا عن أرضه وأهله وكرامته، فقاتل على معظم جبهات الحرب اللبنانية، تاركًا بصماته في كل ساحة، وذكراه في قلوب جميع رفاقه.
بعد انتهاء الحرب واعتقال قائد “القوات اللبنانية”، لم ينكفئ، بل تابع نضاله السرّي على الرغم من الملاحقات والمضايقات التي تعرّض لها من جيش الاحتلال السوري. عُرف جورج بصلابته وصموده أمام التحديات، وبأنه من الرجال الذين لم يبدّلوا قناعاتهم يومًا، ولم يغادروا وطنهم لبنان، مهما اشتدّ القمع وضاقت الآفاق عليه وعلى عائلته. بقي في لبنان في بقاعكفرا يستمد منها العنفوان والصلابة والصمود والقداسة، لتعبر تلك المرحلة السوداء من وطن جريح كان هو ورفاقه حرّاسه الأمناء.
لاحقًا، أصبح المرافق الشخصي للنائب ستريدا جعجع، موقعٌ حمّله مسؤولية كبيرة، مارس فيه الوفاء والأمانة والشجاعة، فتميّز جورج الياس بشجاعته، ودقّته، وأخلاقه العالية، والتزامه العميق بمبادئ حزب القوات ومسيرته النضالية الكبيرة. لم يكن جورج مجرّد مرافقٍ أمنيّ، بل كان أخًا ورفيق درب الأيام الصعبة، يشهد له كل من عرفه بنزاهته ومناقبيته.
“الشاتو” لم يكن مقاومًا فقط، بل كان مزارعًا وعاشقًا للأرض. بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد إلى بلدته بقاعكفرا، ليزرع أشجار التفاح بيديه ويكمل مسيرة أجداده، كأنّه يزرع الأمل في تراب وطن عرف طعم الدماء والعرق. أحب الأرض كما أحب الوطن، ورأى في الزراعة امتدادًا لصمود أجداده آل الياس، فعلّمنا أن الثبات في الأرض هو منبت الرجال ومقلع القوة والشجاعة.
أسّس جورج عائلة مثاليّة، زوجته السيّدة جومانا، مثال للزوجة والأم الصالحة القوية والمحبّة في آن، جبلت في تربية عائلتها الحب بالعمل. أربعة أولاد تربّوا على التهذيب، والثقافة والعلم حتى الوصول الى شهادات الدكتوراه في فرنسا، وأهم ما علّماه لأولادهم حبّ لبنان والتمسّك بالقيم الأخلاقية التي عاش ومات جورج لأجلها، هذه القيم التي أصبحت نادرة في يومنا هذا..
رحل “الشاتو”، لكنه ترك إرثًا لا يُمحى من ذاكرة رفاقه وكل من عرفه. رحل بابتسامة المقاتل الذي لم يخسر معركة واحدة مع ذاته، جورج الياس الذي آمن حتى أنفاسه الأخيرة بأن لبنان يستحقّ كل تضحية ووفاء.
رجلٌ كبير، حضوره باقٍ في الوجدان، باقٍ في الأرض التي أحبها وأحبته، باقية صورته على جبال بقاعكفرا العالية التي ستشهد دائمًا وأبدًا أن الرجال الحقيقيين لا يموتون، بل يتجذّرون في تراب الوطن والتاريخ.
