#adsense

اكتشاف ميكروب في أمعاء الإنسان قد يجعل الجسم يمتصّ سعرات أكثر

حجم الخط

أمعاء الإنسان

في دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة Nature Microbiology، اكتشف باحثون من جامعة ستانفورد الأميركية أنّ نوعاً معيناً من الميكروبات يعيش في أمعاء الإنسان قد يكون مسؤولاً عن زيادة امتصاص الجسم للسعرات الحرارية، حتى من نفس كمية الطعام التي يتناولها أشخاص آخرون. هذا الميكروب، المعروف باسم Methanobrevibacter smithii، وُجد أنه يلعب دوراً خفياً في تفسير سبب اكتساب بعض الأشخاص للوزن بسرعة، في حين يبقى آخرون نحيفين رغم تناولهم نفس الأطعمة تقريباً.

الفريق البحثي استخدم تقنية تحليل الحمض النووي الميكروبي (metagenomic sequencing) على مئات العينات البرازية من أشخاص ذوي أنماط غذائية وأوزان مختلفة. النتائج أظهرت أنّ وجود هذا الميكروب بكثافة عالية في الأمعاء يرتبط بامتصاصٍ أكبر للطاقة من الطعام، خصوصاً من الكربوهيدرات المعقدة. فالميكروب ينتج غاز الميثان خلال عملية الهضم، ما يبطئ حركة الأمعاء ويزيد الوقت الذي يقضيه الطعام في الجهاز الهضمي، الأمر الذي يسمح باستخلاص كمية أكبر من السعرات الحرارية قبل طرح الفضلات.

ويشرح الباحث الرئيسي، الدكتور جوناثان لوثر، أن هذه العملية “تشبه تشغيل فرنٍ على حرارة منخفضة لفترة أطول، بحيث يُستخرج من الطعام كل ما يمكن من طاقة”. وبحسب الدراسة، فإنّ الأشخاص الذين تحتوي أمعاؤهم على نسبة مرتفعة من هذا الميكروب قد يمتصّون ما يعادل 150 سعرة حرارية إضافية يومياً من نفس الوجبة التي يتناولها شخص آخر لا يملك نفس البكتيريا. وعلى مدى عام واحد فقط، يمكن لهذا الفارق البسيط أن يؤدي إلى زيادة في الوزن قد تصل إلى خمسة كيلوغرامات.

الأكثر إثارة أنّ وجود هذا الميكروب لا يرتبط بنظامٍ غذائي محدّد، بل يبدو أنه يُورّث جزئياً من الأم إلى الطفل، ويُعاد تشكيل توازنه بفعل نمط الحياة والتغذية. ومع ذلك، لاحظ العلماء أنّ النظام الغذائي الغني بالأطعمة المعالجة والدهون المشبعة يُشجع تكاثره، في حين أنّ تناول الألياف الطبيعية والخضروات يقلل من نشاطه. هذه النتائج تعزز فرضية أن الميكروبيوم المعوي – أي مجتمع الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء – قد يكون مفتاحاً لفهم السمنة أكثر من السعرات وحدها.

ولم تتوقف الدراسة عند حدود الملاحظة، بل جرى اختبار الفرضية عملياً على فئران مخبرية. إذ تم زرع ميكروب Methanobrevibacter smithii في أمعاء مجموعة من الفئران، بينما تُركت مجموعة أخرى بدونه، وتم إطعام المجموعتين نفس النظام الغذائي تماماً. بعد ثمانية أسابيع، كانت الفئران الحاملة للميكروب قد اكتسبت ضعف الوزن تقريباً مقارنة بالأخرى، رغم تساوي كميات الطعام، وهو ما أكّد الأثر المباشر لهذا الكائن على كفاءة امتصاص الطاقة.

ويعتقد الباحثون أنّ فهم آلية عمل هذا الميكروب قد يفتح الباب أمام علاجات جديدة للسمنة ومتلازمة الأيض، ليس عبر تقليل الأكل فحسب، بل من خلال تعديل البيئة الميكروبية داخل الجسم. فبدلاً من اللجوء إلى الحميات القاسية، يمكن مستقبلاً ابتكار بروبيوتيك (كائنات نافعة) تُوازن تأثير هذه البكتيريا، أو حتى أدوية تُبطئ إنتاج الميثان في الأمعاء، ما يقلّل من امتصاص الطاقة الزائد.

من جانب آخر، يشير علماء التغذية إلى أنّ هذا الاكتشاف يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم “السعرات الحرارية”. فالأمر لا يتعلق فقط بما يدخل الفم، بل بكيفية تفاعل الجسم مع الطعام داخلياً. شخصان يتناولان الطبق نفسه قد يختلفان تماماً في كمية الطاقة التي يستخلصها جسدهما منه، بناءً على التكوين الميكروبي في أمعائهما. هذه الحقيقة تفسّر لماذا تفشل بعض الحميات الغذائية لدى أشخاص معينين وتنجح عند آخرين.

كما تفتح النتائج الباب أمام إعادة التفكير في العلاقة بين الميكروبيوم والصحة العامة، إذ يرتبط هذا الميكروب أيضاً بزيادة الغازات المعوية ومتلازمة القولون المتهيج، وربما حتى بالاستجابة الهرمونية للشبع. ويقول الباحثون إنّ الخطوة المقبلة ستكون دراسة تأثير هذا الميكروب على التمثيل الغذائي لدى الأطفال، لمعرفة ما إذا كان يمكن التدخل مبكراً لتعديل توازن الأمعاء ومنع السمنة في المستقبل.

إنه اكتشاف غريب بقدر ما هو مقلق — أن تحتوي أجسادنا على كائنات دقيقة تحدّد كمّ الطاقة التي نحتفظ بها دون علمنا. لكنه يسلّط الضوء على حقيقةٍ عميقة: أنّ السرّ في الصحة والوزن لا يكمن في عدد اللقيمات، بل في من يشاركنا هضمها داخل أمعائنا.

خبر عاجل