Site icon Lebanese Forces Official Website

أكل أطعمة معيّنة يُمكن أن يُرجع عقارب “الساعة البيولوجية”

في تطوّر علمي لافت، كشفت دراسة حديثة أنّ اعتماد نظام غذائي محدد يمكن أن يساهم في «إرجاع عقارب الساعة البيولوجية» إلى الوراء، أي تقليل العمر البيولوجي للخلايا وتجديد وظائف الجسم على المستوى الجزيئي. هذه النتيجة المدهشة جاءت بعد تجربة أجريت على مجموعة من الرجال تتراوح أعمارهم بين الخمسين والسبعين عامًا، خضعوا لبرنامج غذائي ونفسي متكامل استمر ثمانية أسابيع فقط، أظهر في نهايته انخفاضًا واضحًا في «العمر الجزيئي» لديهم بما يعادل عامين إلى تسعة أعوام لدى بعض المشاركين.

العمر البيولوجي هو مقياس دقيق لحالة الجسم الداخلية، ويُحدَّد من خلال تحليل تفاعلات جينية تُعرف باسم «الميثلة» (DNA methylation)، وهي تعديلات كيميائية تؤثر في نشاط الجينات دون تغيير تسلسلها. هذه العملية ترتبط بتقدّم الخلايا في السنّ وبظهور علامات الشيخوخة، لذا فإنّ تقليلها يعني من الناحية العلمية إعادة بعض الخلايا إلى حالة أكثر شبابًا.

النظام الذي اعتمدته الدراسة لم يكن نظامًا قاسيًا أو معتمدًا على مكملات باهظة، بل مجموعة من الأغذية الغنية بمركّبات طبيعية تُحفّز «إصلاح» الخلايا عبر دعم عمليات الميثلة. تضمن النظام تناول أطعمة مثل الكركم والثوم والبصل والزنجبيل والتوت والشاي الأخضر، إضافة إلى الخضروات الورقية الداكنة والبقوليات والمكسرات النيئة. هذه المكونات تحتوي على عناصر تُعرف باسم «methyl donors» أي المانحين لمجموعة الميثيل، وهي ضرورية للحفاظ على التوازن الجيني الطبيعي.

كما شجّعت الخطة الغذائية على تجنّب السكريات البسيطة والأطعمة المعالجة والمقالي، والتركيز على الصيام المتقطّع وتنظيم الوجبات، مع الحفاظ على عدد ساعات نوم كافٍ وممارسة نشاط بدني معتدل مثل المشي أو اليوغا. اللافت أن البرنامج لم يقتصر على الطعام فقط، بل شمل جلسات استرخاء وتقنيات تنفّس وتأمّل تهدف إلى تقليل مستويات التوتر، إذ تبيّن أنّ الإجهاد المزمن من أكثر العوامل تسريعًا لشيخوخة الخلايا.

بعد مرور الأسابيع الثمانية، أظهرت التحاليل أن المشاركين الذين التزموا بالنظام شهدوا تراجعًا واضحًا في العمر البيولوجي، بينما لم يتغير العمر الزمني طبعًا. بمعنى آخر، لم يتوقف الزمن، لكن أجسامهم أصبحت «أصغر بيولوجيًا» وأكثر قدرة على الإصلاح الذاتي. وقد عبّر الباحثون عن دهشتهم من السرعة التي ظهرت بها النتائج، إذ كان من المتوقع أن يتطلب الأمر شهورًا أو سنوات لملاحظة تحسن مماثل.

ويعتقد العلماء أن سرّ النجاح يكمن في تفاعل العوامل المتعددة: الغذاء الغني بالمضادات الأكسدة، تنظيم الهرمونات عبر النوم الجيد، تخفيض الكورتيزول الناتج عن التوتر، وتحسين توازن الميكروبيوم المعوي الذي يلعب دورًا حيويًا في المناعة والتمثيل الغذائي. فعندما تعمل هذه المنظومة بتناغم، تبدأ عملية «إعادة الضبط» في الجسم، فيُبطئ تدهور الخلايا ويزداد نشاطها في إنتاج الطاقة ومكافحة الالتهاب.

رغم أن هذه الدراسة ما زالت في مراحلها الأولية، إلا أنها تعزز فكرة أن الشيخوخة ليست مسارًا ثابتًا لا يمكن تغييره، بل عملية بيولوجية يمكن تعديلها بالعادات اليومية. وهذا يفتح المجال أمام مفهوم جديد في الطب الوقائي يقوم على استخدام التغذية والراحة النفسية كأدوات لإطالة «العمر الصحي» لا الزمن فقط. فالهدف لم يعد مجرد العيش لفترة أطول، بل العيش لفترة أطول بصحة أفضل، بجسمٍ أكثر شبابًا ودماغٍ أكثر صفاءً.

إذا تأكدت هذه النتائج في أبحاث أوسع، فإنّ ما نأكله قد يتحوّل فعلاً إلى «مفتاح الزمن» الذي يعيد إلينا سنواتٍ من الحيوية التي كنّا نظن أننا فقدناها، ليصبح المطبخ — لا المختبر — نقطة البداية الحقيقية في رحلة استعادة شباب الجسد والعقل.

Exit mobile version