#dfp #adsense

خاص ـ لبنان دولة ” أُفشِلَت” (د. ميشال الشّمّاعي)

حجم الخط

لبنان الدولة عاش حالة صراع حول أحقيّة وجوديّته، لا بل حول مشروعيّة مشروعه الكياني الذي جمع الجبلين، أعني هنا جبل لبنان وجبل عامل، وكلّ الأراضي التي ألحقت بوحي البطريرك الماروني الياس الحويّك. وهو الذي نُصح وقتذاك أن يبقى الموارنة كبارًا في لبنان الصغير على أن يغدوا صغارًا في لبنان الكبير.

ولأنّ الفلسفة السياسيّة التي تبنى على أسسها الأوطان غابت في تلك المرحلة، ومن المفترض أن تكون المرحلة الأولى، إلّا أنّ التأسيس بدأ بالمرحلة الثالثة مع النظام السياسي الذي عبر إلى دولة بلا فلسفة سياسيّة مع  دستور  1920؛ لتأتي بعده الصيغة السياسيّة في  المرحلة الثانية  في  زمن الاستقلال والوفاق الوطني. وما وصلنا إلى الفلسفة السياسيّة إلّا عبر اتّفاق الطائف  في العام 1989 على قاعدة الديمقراطيّة التوافقية.

طوال هذه المراحل، عرف لبنان فترات من النّجاح، لكنّه لم ينجح في أن يكون دولة حقيقيّة. حتّى بعد مرحلة الطائف، سقط مفهوم الدّولة نتيجة الاحتلال السوري؛ واستُكمِلَ هذا السقوط مع سيطرة دويلة منظمة “الحزب” حتّى يومنا هذا. ولعلّ هذا ما جعل دول القرار تصنّف لبنان تارة بـ” الدّولة الفاشلة”، وتارة أخرى بـ”الدّولة المارقة”.

إنّ مصطلح “الدولة الفاشلة Failed State”، الذي استُعمل في البداية في سياق الدراسات السياسية في التسعينيات، لكنّ جذوره تعود إلى الثمانينيات، أطلقه وأشاع استعماله للمرة الأولى الباحث الأميركي “جيرالد هيلمان Gerald Helman” والدبلوماسي “ستيفن راتنر Steven Ratner” في مقال شهير نشراه في مجلة Foreign Policy  العام 1992 بعنوان ” Saving Failed Statesـ إنقاذ الدول الفاشلة”، بعد انهيار الصومال ويوغوسلافيا بعد نهاية الحرب الباردة آنذاك.

ولقد استخدما مصطلح “Failed States” لوصف الدول التي تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية؛ مثل حفظ الأمن، تقديم الخدمات العامة، وممارسة السيادة الفعلية على أراضيها. وهل يخفى على أحد أنّ الدّولة اللبنانيّة اليوم لا تستطيع أن تحفظ أمنها؟، وهل بردت دماء المغدور إيليو أبي حنّا؟. أمّا الخدمات العامّة من الكهرباء إلى المياه والاتّصالات ومعالجة النفايات والأمن الصحّي وغيرها، فهل من عاقل في لبنان يشعر أنّها موجودة؟، وهل قطاع التّعليم مثلا بخير؟، أم هل توجد بنى تحتيّة بالحدّ الأدنى لتخدم مواطني هذه الدّولة؟.

أمّا في الموضوع السيادي، فنحن ما انكفأنا يومًا عن المطالبة بضرورة إبطال مبدأ التشارك السيادي الذي بدأ في العام 1969 في اتّفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، واستُكمِلَ مع الاحتلالين الإسرائيلي والسوري، وبعدهما منظّمة “الحزب”. هل يستطيع أحد التغاضي عن هذه الوقائع؟، لا أظنّ أنّ عاقلاً أو وطنيًّا يستطيع ذلك. أمّا أولئك الذين يدّعون إعلاميّتهم ويكتسبون شهرتها من بعض المحتوى التنمّريّ الرّخيص على مواقع التواصل الاجتماعي، فهؤلاء إشكاليّتهم مع الوجود، لأنّهم يسلبون الأوكسيجين من الهواء فيحرمون الطامحين إلى الحياة منه.

فالمعيار الأساسي لهذا التصنيف هو فشل داخلي هيكلي في الحكم والإدارة والسيادة، والأمثلة على تلك الدّول تبدأ بالصومال، جنوب السودان، أفغانستان وهايتي، وصولاً إلى لبنان. وينتمي هذا المبدأ فكريًّا إلى مدرسة التنمية السياسية (Political Development )، ويُدرَّس ضمن نظريات بناء الدولة (State-Building) والحوكمة (Governance).

ولعلّ هذا ما يحاول المجتمع الدّولي أن يقوم به في لبنان، البلد الذي تمّ إفشاله منذ لحظة بنائه. لكنّ الإشكاليّة الأهمّ التي أدّت إلى فشل لبنان هي في عدم ترتيب أوليّات بناء  الدّولة؛ من الفلسفة السياسيّة التي تقوم على الفكرة الكيانيّة إلى الصياغة الحياديّة وصولًا إلى نظام لامركزيّ ـ اتّحاديّ يجمع المتفرّقات ولا يساهم بتفرقتها أكثر.

أما بالنسبة إلى مصطلح “الدولة المارقة Rogue State” فقد ظهر قبل ذلك بقليل، واستُخدم رسميًّا لأول مرة في الخطاب السياسي في إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، ولا سيّما وزارة الخارجية الأميركية في منتصف التسعينيات، لوصف الدول التي تُعارض النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة؛ مثل العراق، إيران، ليبيا وكوريا الشمالي’.

فمن حيث المفهوم، هي دولة تتصرف بطريقة عدوانية ومخالفة للقانون الدولي، وتشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي أو الدولي. غالبًا لا يكون الفشل فيها داخليًا، بل سياساتها الخارجية هي المشكلة. والمعيار الأساسي لهذا التصنيف يكمن في السلوك العدواني الخارجي الذي تمارسه الدّولة؛ مثل دعم الإرهاب، السعي لأسلحة دمار شامل، انتهاك حقوق الإنسان وتحدي النظام الدولي. وأبرز الأمثلة على هذه الدّول العراق (في عهد صدام)، وليبيا (في عهد القذافي)، وكوريا الشمالية، وإيران. واليوم لبنان بات من عداد هذه الدّول بسبب تحوّل “الحزب” فيه إلى منظّمة دوليّة تمارس أعمالاً غير شرعيّة خارج الحدود اللبنانية، من البوسنة والهرسك إلى فنزويلا واليمن والعراق  والكويت والمملكة العربيّة السعودية وأفريقيا.

هذا التصنيف ينتمي إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ويُستخدم كأداة خطابية وسياسية لتبرير العزل أو التدخل. وقد يمارس المجتمع الدّولي أحيانًا عمليّة احتواء لهذه الأنظمة، لكنّ المؤشّرات السياسية كلّها تدلّ على أنّ مرحلة الاحتواء قد انتهت، ولا سيّما مع رئيس، مثل الرئيس دونالد ترامب، عازم على المواجهة، من الشرق الأوسط إلى نيجيريا وفنزويلا وإيران، تاركًا الاحتواء الاقتصادي لدول مثل الصين والهند.

أمام هذه الوقائع، لا يمكن لوم السيّد توم برّاك وغيره على تصنيفاتهم للدولة اللبنانيّة المتلكّئة عن أداء واجباتها المؤسّساتيّة تجاه شعبها أوّلًا، وتجاه المجتمع الدولي الذي كان للدكتور شارل مالك الفضل الكبير في إقرار صيغة أمميّة تتجاوز كلّ الأعراف البشريّة، وتنسجم قيميًّا مع كلّ الأعراف الدينيّة ليحفظ ثالوث الحرّيّة والأرض وكرامة الانسان فيه. فهل نرجع يومًا كما قال الأخوين الرحباني:

“وما زال بين تلالِ الحنينْ/ وناسِ الحنينْ مكانٌ لَنا،

فَيَا قلبُ كَم شَرَّدتنا الرياحْ/ تعالَ سنرجِعُ هَيّا بِنا”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل