



صباح “الضَّير” – لا الخير – على الوزارات المعنية بالفظاعة التي ارتُكبت بحق أعجوبة الدنيا الثامنة، ومعها بلدية جعيتا، طبعًا.
صباح “الضَّير” (من ضرر)، فبدلاً من محاسبة المقصّرين، تتقاذف الجهات الرسمية المسؤوليات في فضيحة مغارة جعيتا، وكأنّ في لبنان مسؤولين لا يعرفون من المسؤولية سوى اسمها.
في الحقيقة، لا يهمّنا من المسؤول الفعلي والمباشر، فكلّكم مسؤولون، وكفى تبريرات ومحاولات للتنصّل من المسؤولية، كما دائمًا.
مجدّدًا، صباح “الضَّير” لكل المسؤولين غير المسؤولين. طمئنونا عنكم، كيف الحال والأحوال؟ أأنتم بخير؟ نحن لا. لا نحن، ولا تراثنا، ولا ثقافتنا، ولا مغاراتنا بخير… بفضلكم، طبعًا.
هل رأيتم (did you Sisi) ما حصل في مصر في الأوّل من تشرين الثاني؟ آه، لا وقت لديكم؟ صحيح، كنتم مشغولين بـ”بُصّ شوف، مغارة جعيتا بتعمل إيه”!!! أو بالأدق، نحن الذين أصابنا العجب حين شاهدنا ما فعلتم بثامنة عجائب الدنيا!
أعزاؤنا المسؤولون، منذ طفولتنا ونحن نعرف أنّنا لا ندخل إلى مغارة جعيتا لنشاهد، بل لنصغي. هناك، في عمق الجبل، حيث حفَر الماء الحجر حتى صار جمالًا، لا مكان للضجيج ولا للخطى السريعة. فالأرض هناك تتنفّس، وكل خطوة فوقها تترك رجفةً في قلب من كلس وماء.
هناك، لطالما كان يُطلب منا أن نسير ببطء شديد احترامًا لعمر جيولوجي أطول من أعمار المسؤولين، لا أن نرقص الدبكة على الرغم من أنّها من تراثنا المجيد. هناك كنا نهمس بخشوع، وكأننا نسير في مكان مقدّس في تخوم الجنة، لا في ملهى ليلي على حافة بركان، مع مكبّر صوت و”أغنية بدّنا نتجوّز عالعيد”. هناك كانت عيوننا وحدها المسموح لها أن تلمع انبهارًا، أما التصوير فممنوع، لأن الضوء يربك توازن المغارة الدقيق ويشوّه الألوان الطبيعية التي حفظها الظل قرونا.
هناك، المكان المقدس تمت استباحته فجأة: أُقيم فيه عرس كامل، أضواء، موسيقى، كاميرات، رقص، غناء، وكأنّ عجيبة الأرض صارت مجرد خلفية للصور الشخصية. وهناك، على بعد 80 كيلومترًا من جعيتا، رفع وزير الثقافة الأسبق خلال الحرب الأخيرة إشارة “الدرع الأزرق” عن قلعة بعلبك، تاركًا تراثنا عرضة للخطر.
وهناك، على بعد البحر الأبيض المتوسط الذي يفصل بيننا، كانت مصر تفتتح أعظم متحف فرعوني في العالم، تحمي تاريخها وتكرّمه وتصونه في زجاجٍ مقاوم للزمن. أما هنا، فنحن نُطفئ ذاكرة الأرض تحت أضواء الحفلات، نرقص فوق حجر عمره ملايين السنين، ونتركه يتآكل بصمت.
مغارة جعيتا لا تبكي، ولكنها تدمع بصمت اليوم. تتألم بصمت لأن من دخلها نسي أن يخلع ضجيجه عند الباب، وتناسى أنّها تعيش وفق نظامها الخاص، وكل شعاع، صوت، أو خطوة زائدة قد تجرح سكونها الأبدي. لكن يبدو أنّ أحدًا لم يُخبر المسؤولين بذلك، أو ربما كانوا كما دائمًا يعلمون ولم يتحركوا. وكعادتهم، حين يعجزون عن حماية البشر، يبدأون بإهانة الحجر، وكأن جعيتا تحتاج إلى أضواء البشر لتلمع!
كيف نُقيم حفلًا داخل مكان كان يُطلب من الزائر أن يهمس فيه كي لا يُزعج الأرض؟ كيف نسمح أن يُدنّس الصمت المقدّس بضحكات طنانة ورنانة، وموسيقى صاخبة تصفع جدرانا شاهدة على عمر الأرض نفسها؟
نعم، حدث هذا في بلد يُمنع فيه التقاط الصور داخل مغارة جعيتا حرصًا على توازنها البيئي الدقيق، ولكن في المقابل، سمح بكرم رسمي أو بلدي فاضح بإقامة عرس بكامل ضجيجه، الذي ملأ تجاويف عمرها آلاف السنين.
حدث هذا في بلد أضيئت فيه صخرة الروشة بوجوه من حاولوا تقويض الدولة وتحويلها إلى دويلة مرتهنة للخارج. حدث ذلك في بلد رفع فيه وزير للثقافة الإشارة الدولية التي تحمي قلعة بعلبك من القصف، وكأنما أراد أن يقول للعالم: “اضربوا ما شئتم، فتراثنا بلا قيمة.”
أي دولة هذه التي تسمح بتحويل كنز طبيعي بهذا الحجم إلى صالة أفراح؟
وأي مسؤول يوقّع على إذن يشرّع التعدّي على ذاكرة الطبيعة؟
جعيتا ليست مغارة وحسب، إنها وثيقة جغرافية حيّة، تحفة جيولوجية تروي تاريخ الأرض قبل أن يُخلق لبنان السياسي نفسه. جعيتا ليست مكانًا للرقص، بل محراب للطبيعة. هي صدى الأرض حين كانت نقية، وشهادة على جمال نادر، صمد في وجه الزمن إلى أن… جاء فسادنا فصار تراثنا يُستباح باسم “الاحتفال”، ويُباع باسم “الاستثمار”. جاء فسادنا، فنسي المسؤولون أن الفينيقيين اخترعوا الأبجدية، ولم يتذكّروا سوى أنّهم كانوا تجّارًا…
يا أيها الرسميون الأعزاء، مغارة جعيتا شاهد على جمال لبنان العميق، وعلى ما يمكن للطبيعة أن تخلقه حين لا تتدخل يد الإنسان. فكفّوا يد تجّاركم عنها.
في صمتها البهيّ، تروي جعيتا حكاية وطن كان يومًا جنةً خضراء، ولكنكم سوّدتم وجهها بهذه الحركة النكراء. إنها ذاكرة الأرض اللبنانية، ومرآة جمالٍ نقيّ يذكّرنا بأن الطبيعة، مهما صبرت، لا تغفر لمن يعبث بها. لذلك، نحن لن نغفر، ولن نطالب بمحاسبة المسؤول، ففي دولة لم تحاسب من دمّرها، فجّرها، ونهبها، وسرق ماضي أولادها وحاضرهم ومستقبلهم وأحلامهم، نحن ندرك أنّ وكيلنا هو الله وحده، ونعم الوكيل.