يُجمع المراقبون، داخلياً وخارجياً، على وجود هوّة كبيرة بين أقوال الدولة اللبنانية وأفعالها. وقد استبشر الشعب اللبناني خيراً بعهدٍ جديد برئاسة العماد جوزيف عون، الذي افتتحه بخطاب قسمٍ مبدعٍ وخلّاق، رفع فيه سقف الدولة عالياً، لذلك كان منتظراً منه الكثير.
لكن لا يمكن القول إنّ الدولة لم تستعد بعضاً من مؤسّساتها في هذا العهد، بل ربما كان الإنجاز الأساسي في عهد عون إعادة تشكيل الهرم الدستوري، من مؤسسة رئاسة الجمهورية مروراً بالحكومة اللبنانية وصولاً إلى مجلس النواب، الذي أصبحت فيه الكلمة الأقوى للأكثرية النيابية على حساب رئيس المجلس نبيه بري، المعروف بإدارته غير الدستورية وغير المؤسساتية للبرلمان.
قد تكون نوايا العهد الجديد، ممثّلاً برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، حسنةً وتستهدف بناء الدولة، بل إنّ الرئيس عون والحكومة أقدما على قرارٍ تاريخيٍّ بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وأطلقا خطةً عملانية لتنفيذه. لكنّ الثغرة الأساسية القاتلة تكمن في افتقار هذه السلطة إلى الجرأة لتنفيذ قراراتها وخططها، إذ لم تتحرّر بعد من عقدة الخوف من “الحزب”، وتستند في ذلك إلى ذريعة الحرص على السلم الأهلي!.
هذه الهواجس والمخاوف التي تتملّك “الدولة العميقة” بمسؤوليها السياسيين والعسكريين، أدّت إلى إخفاقات عديدة، أهمها
ـ الفشل في سحب السلاح الفلسطيني من داخل المخيمات بصورةٍ كاملة، واستمرار حالة التفلت الأمني فيها، وانتشار السلاح وعصابات تجارة المخدرات.
ـ عمليات خجولة في تفكيك بنية “الحزب” العسكرية والأمنية، لا سيما شمال الليطاني، مع تقدّمٍ بطيء جنوباً، على الرغم من محاولات تحايل “الحزب” لإعادة بناء مواقع بديلة. والمقياس المعتمد لمعرفة مدى نجاح هذه المهمة من عدمه، يستند إلى مؤشرين هما: استمرار الاعتداءات الإسرائيلية من جهة، وتباعد تباشير إعادة الإعمار من جهةٍ أخرى.
ـ تجاسر “الحزب” على كسر قرارات رئيس الحكومة في مسألة إضاءة صخرة الروشة، من دون تحرّك الأجهزة الأمنية لتنفيذ القرار.
ـ على الرغم من مواقف الرئيس عون المتقدّمة في مسألة التفاوض مع إسرائيل، غير أنّ هناك ضعفاً واضحاً في اعتماد آليةٍ محدّدة للتفاوض. كما يسود لدى الرأي العام اللبناني ولدى الدبلوماسيين الأجانب، شعورٌ بأنّ المسؤولين اللبنانيين يقفون عند خاطر “الحزب” في أن يكون التفاوض غير مباشر، وربما غير فعّال!.
ـ تعذّر إطلاق مسارٍ فعليّ لإعادة النازحين السوريين إلى بلدهم.
ـ التلكؤ في اتخاذ موقفٍ حاسم بشأن تعديل قانون الانتخابات النيابية لجهة تصويت المغتربين اللبنانيين غير المقيمين بصورة دائمة في لبنان لـ128 نائباً، ما يعزّز العملية الديموقراطية، إلا أن رفض الثنائي الحزبي الشيعي يؤثّر على رئيسَي الجمهورية والحكومة.
ـ تعثّر إيجاد حلٍّ جذريٍّ لأموال المودعين العالقة في المصارف.
ـ تفاقم الغلاء وتردّي الأوضاع المعيشية.
ـ استمرار نهج الزبائنية والفساد في بعض دوائر الدولة مثل “النافعة” وغيرها.
ـ مواصلة “الحزب” تحدّيه للدولة وتهديده كلّ من يعارضه في الداخل اللبناني، من دون أيّ محاسبة.
طبعاً، هذا غيضٌ من فيض، سببه النقص في المبادرة وغياب “الهيبة” عن الدولة. والمؤسف أنّ “الدويلة”، على الرغم من تضاؤل قوّتها، لا تزال تهيمن على الدولة، بل تنتشر كالخلايا السرطانية في جسدها الضعيف والمنهك. وطالما أنّ هذه “الدويلة” حيّة وناشطة، فإنّ الدولة اللبنانية تبقى مهدَّدة من قِبل إسرائيل، التي تحظى بدعم الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي لإنهاء حالة “الحزب” الشاذة. وما لم تفهمه إيران ومسؤولو هذا “الحزب” هو أنّ مسألة محور “الممانعة” انتهت، بل إنّ هناك قراراً دولياً، على أعلى المستويات، بالقضاء عليه، سواء أكان “الحزب” أو الحوثيين أو “حماس” أو “الحشد الشعبي” العراقي.
للأسف، إنّ رهان إيران المستمر على “الحزب” يُضعف الدولة اللبنانية، التي تقاوم بالحدّ الأدنى رئاسياً وحكومياً ونيابياً، لكنها تحتاج إلى جرأةٍ أكبر. أمّا إذا استمرّت في الاكتفاء بالأقوال من دون أفعالٍ جريئةٍ وحقيقيةٍ وملموسةٍ على نحوٍ واضح، فلن تحكم، بل سيبقى “الحزب” مهيمناً على قرار السلم والحرب حتى إشعارٍ آخر.

.jpg)