#adsense

اكتشاف علمي أَعاد تفكيرنا في تطوّر الثعابين

حجم الخط

في خطوة علمية غير مسبوقة، تمكّن فريق من الباحثين في جامعة كامبريدج من اكتشاف خاصية فسيولوجية فريدة لدى الثعابين تعيد النظر في فهمنا لتطور هذه الكائنات الغامضة. فوفقاً للدراسة الحديثة، وُجد أن الثعابين تمتلك قدرة مدهشة على تحويل الفضلات السائلة إلى بلّورات صلبة داخل أجسامها، في عملية تُعرف باسم “التبلور البولي”، وهي ظاهرة بيولوجية نادرة جداً في عالم الحيوان. هذا الاكتشاف لم يثر فقط اهتمام علماء الأحياء التطورية، بل فتح الباب أمام تطبيقات طبية قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع أمراض الكلى والنقرس لدى البشر.

يقول العلماء إن الثعابين، بخلاف معظم الزواحف، طوّرت هذه الآلية الفريدة كوسيلة للبقاء في البيئات القاحلة والجافة. فبدلاً من إفراز البول بشكل سائل كما تفعل الثدييات، تقوم بتخزين الفضلات النيتروجينية وتحويلها إلى كتل بلّورية صلبة تشبه الحصى، مما يسمح لها بالحفاظ على كل قطرة ماء في جسدها. هذا التكيّف المذهل منحها ميزة تطورية في مواجهة الجفاف، وساهم في انتشارها في مناطق صحراوية لا يمكن لكائنات أخرى العيش فيها.

ويعتقد الباحثون أن هذا الاكتشاف يقدّم مفتاحاً لفهم كيف تطوّرت أنظمة الإخراج لدى الزواحف بشكل عام، وكيف ساهمت في انتقالها من البيئات المائية إلى البرّية قبل ملايين السنين. فقد أظهرت التحاليل المجهريّة أن تركيب البلورات البولية لدى الثعابين يشبه من حيث البنية الكيميائية بعض أنواع البلورات التي تتكوّن في أجسام البشر عند الإصابة بالنقرس أو حصى الكلى، ما يشير إلى وجود مسارات أيضية مشتركة بين الإنسان وهذه الكائنات رغم التباعد التطوري الكبير.

الأكثر إثارة هو أن الفريق العلمي يرى في هذا الاكتشاف إمكانات طبية هائلة. ففهم الطريقة التي تمنع بها الثعابين تبلور هذه المواد داخل أنسجتها — رغم تراكمها على مدى سنوات — قد يساعد في تطوير أدوية جديدة تمنع ترسّب الأملاح والمركّبات البلّورية في جسم الإنسان. الباحثة البريطانية كلير هيندرسون، المشاركة في المشروع، أوضحت أن “الثعابين قادرة على تخزين هذه البلّورات في أنسجتها دون أن تسبب التهابات أو انسدادات”، ما يطرح سؤالاً محورياً: كيف نجحت الطبيعة في ابتكار نظام تصفية فائق الكفاءة يمكن أن يلهم الطب الحديث؟

الأمر لا يتوقف عند حدود الطب، فالاكتشاف يقدّم رؤية أعمق لمسار التطوّر الحيوي. فمن المعروف أن الزواحف طوّرت استراتيجيات مختلفة للتكيّف مع البيئات القاسية، لكن قدرة الثعابين على التحكم في مسار الفضلات وتحويلها إلى مواد صلبة غير سامة، تضعها في مكانة خاصة بين الكائنات التي أتقنت فن الاقتصاد الحيوي إلى أقصى درجة.

وهكذا، فإن ما بدأ كملاحظة مخبرية بسيطة تحوّل إلى اكتشاف يربط بين علم الأحياء التطوري والطب الحيوي. لقد أجبر هذا البحث العلماء على إعادة التفكير في نظرتهم إلى الثعابين، ليس فقط كرمز للغموض والخطر، بل ككائنات متفوّقة في التكيّف البيولوجي، تحمل في جسدها أسراراً قد تنقذ الإنسان يوماً من أمراضه المزمنة. هذا الاكتشاف يذكّرنا بأن الطبيعة لا تزال تحتفظ بالكثير من الإجابات في أماكن لم نكن نتوقعها، وأن فهمنا للحياة لم يزل في بداياته.

خبر عاجل