
كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون في جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية عن نتائج مثيرة للاهتمام حول تأثير العسل الطبيعي على الذاكرة، إذ أظهرت النتائج أن تناول ملعقة واحدة من العسل الداكن يومياً يمكن أن يُحدث فرقاً واضحاً في القدرة على التركيز واسترجاع المعلومات، يفوق في بعض الحالات تأثير الكافيين الموجود في القهوة.
هذه النتيجة التي فاجأت كثيرين جاءت بعد متابعة استمرت ثلاثة أشهر على مجموعة من المتطوعين، تم تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى تناولت القهوة صباحاً بانتظام، والثانية تناولت ملعقة صغيرة من العسل الداكن على الريق. في نهاية التجربة، سجّلت المجموعة الثانية تحسّناً في اختبارات الذاكرة بنسبة 20% مقارنة بالمجموعة الأولى، إلى جانب انخفاض في مستويات التوتر والانفعال خلال النهار.
يشير الباحثون إلى أن السر يكمن في التركيبة الفريدة للعسل الداكن، الذي يحتوي على مضادات أكسدة عالية التركيز مثل الفلافونويد والفينولات، وهي مركبات تساعد في حماية خلايا الدماغ من الإجهاد التأكسدي، وهو أحد أبرز أسباب تراجع القدرات المعرفية مع التقدّم في العمر. كما يحتوي العسل على نسبة طبيعية من الغلوكوز الذي يُعدّ الوقود الأساسي لخلايا الدماغ، لكن بطريقة متوازنة لا تؤدي إلى الارتفاع المفاجئ في السكر كما تفعل بعض المشروبات المحلّاة.
ويضيف فريق البحث أن الكافيين الموجود في القهوة يمنح طاقة سريعة ومؤقتة تساعد على الانتباه، لكنه لا يعزّز بالضرورة الذاكرة طويلة المدى. في المقابل، يعمل العسل على تغذية الدماغ ببطء واستقرار، ما يؤدي إلى تعزيز النشاط العصبي في المناطق المسؤولة عن الحفظ والتعلّم. اللافت أن بعض المشاركين الذين كانوا معتادين على شرب القهوة شعروا بتحسّن في مزاجهم بعد استبدالها بالعسل، إذ انخفضت لديهم أعراض القلق وسرعة التهيّج التي ترافق الإفراط في تناول الكافيين.
أما النوع الداكن من العسل، كعسل الحنطة السوداء أو عسل الغابة السوداء، فهو الأغنى بالعناصر المفيدة للدماغ، بحسب الباحثين. يحتوي هذا النوع على نسب مرتفعة من الحديد والمغنيزيوم والمنغنيز، وهي معادن تسهم في تحسين تدفق الدم إلى الدماغ وتحفيز إنتاج الناقلات العصبية. كما يتميز بطعم أكثر عمقاً وغنى بالمركبات النباتية التي تحفّز إنتاج الدوبامين والسيروتونين، الهرمونات المسؤولة عن الشعور بالسعادة والتحفيز الذهني.
من جهة أخرى، يؤكد خبراء التغذية أن استهلاك العسل لا يجب أن يكون مفرطاً، إذ يكفي تناول ملعقة صغيرة صباحاً قبل الإفطار للحصول على الفوائد المرجوة. كما يُنصح باختيار العسل الطبيعي غير المعالج حرارياً، لأن التسخين يفقده جزءاً كبيراً من خصائصه الحيوية. يمكن أيضاً خلط العسل بالقليل من الماء الفاتر أو الحليب الدافئ لتعزيز امتصاص العناصر المفيدة فيه.
ويشير الأطباء إلى أن هذا الاكتشاف لا يعني الاستغناء التام عن القهوة، بل اعتماد توازن صحي بين الاثنين، بحيث تكون القهوة محفزاً لحظياً والعسل غذاءً داعماً لقدرات الدماغ على المدى الطويل. كما يشددون على أهمية أن يترافق ذلك مع نظام غذائي متنوع وغني بالخضار والفواكه والمكسرات، إلى جانب النوم الكافي وممارسة النشاط البدني المنتظم، وهي كلها عوامل ضرورية للحفاظ على ذاكرة قوية وعقل يقظ.
بهذا، يتحول العسل من مجرد مادة للتحلية إلى عنصر غذائي فعّال في تعزيز الأداء الذهني وتحسين الذاكرة، خصوصاً لدى الطلاب والعاملين في المهن التي تتطلب تركيزاً عالياً. وتُثبت هذه النتائج مجدداً أن الطبيعة لا تزال تخبئ حلولاً بسيطة لمشكلات معقّدة، وأنّ ما تمنحه خلية النحل الصغيرة قد يفوق بكثير ما تقدّمه فنجان القهوة في صباح مزدحم بالأفكار.