#adsense

حيوانات تنجو من الفيضانات بطريقة تجمّع “قاربًا حيًّا”

حجم الخط

في مشهدٍ يُشبه أفلام الخيال العلمي، اكتشف باحثون أنّ نوعاً من النمل الناري يمتلك قدرة مذهلة على النجاة من الفيضانات عبر تشكيل ما يشبه “قارباً حيّاً” يتكوّن من أجساد آلاف النملات المترابطة معاً. هذا السلوك الجماعي الفريد، الذي رُصد في مختبرات جامعة “بيغهامبتون” الأميركية ومن قبل باحثين في جامعة جورجيا، يُعدّ مثالاً مدهشاً على كيفيّة توظيف الكائنات الحيّة لقدراتها الطبيعية في مواجهة الكوارث البيئية والتكيّف مع أقسى الظروف.

الفريق العلمي لاحظ أنّ هذه الحشرات الصغيرة، المعروفة باسم النمل الناري الأحمر (Solenopsis invicta)، تبدأ فور ارتفاع منسوب المياه بالتحرّك بشكل منسّق، فتلتصق ببعضها البعض مستخدمةً أفواهها وأطرافها لتشكّل بنية متماسكة تُشبه طوفاً صغيراً. اللافت أنّ هذا “القارب” لا يغرق رغم أنّ أجسام النمل أثقل من الماء، إذ يتوزّع الوزن بطريقة هندسية متقنة تسمح بتكوين طبقة هواء دقيقة تحبس الماء أسفلها، مما يمنح الطوف طفوًا مستقراً يدوم لساعات أو حتى أيام. وهكذا، تستطيع المستعمرة بأكملها النجاة إلى حين إيجاد أرضٍ جافة جديدة.

ويقول الباحثون إنّ ما يميّز هذا السلوك ليس فقط قدرته على إنقاذ النمل من الغرق، بل الكفاءة العالية في التنظيم الجماعي. فكل نملة تعرف مكانها في البنية، وتتكيف وفقاً لقوة التيار واتجاهه. عندما تصطدم الأمواج بالطوف، تعمل النملات الموجودة على الأطراف كممتصّات صدمات، فيما تتحرّك الأخريات بشكل دوري لتبديل المواقع ومنع الإرهاق. هذه الديناميكية المذهلة دفعت العلماء إلى وصف الطوف بأنه “كائن حي واحد مكوّن من آلاف الوحدات الصغيرة التي تتصرّف كجسمٍ واحدٍ له وعي جماعي”.

وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنّه لا يقتصر على سلوك بيولوجي غريب، بل يقدّم دروساً هندسية مذهلة. فقد بدأ مهندسون في مجال الروبوتات الحيوية بدراسة آلية ارتباط النمل، وكيف يمكن تقليدها لتصميم مواد أو روبوتات قادرة على تغيير شكلها تلقائياً بحسب البيئة. الفكرة هي تصنيع “روبوتات جماعية” تعمل بالطريقة نفسها: وحدات صغيرة مستقلة تتجمع لتشكيل هياكل مختلفة عند الحاجة، مثل جسور مؤقتة أو قوارب إنقاذ ذاتية التشكّل. هذه التطبيقات يمكن أن تُحدث ثورة في مجالات الإنقاذ ومواجهة الكوارث الطبيعية.

من جهةٍ أخرى، يرى علماء الأحياء أنّ هذه الظاهرة تسلّط الضوء على مفهوم “الذكاء الجماعي” في الطبيعة، حيث يتفوّق التنظيم الجماعي على القدرات الفردية. فالنملة الواحدة غير قادرة على مقاومة الفيضان، لكن المستعمرة كمجموعة تمتلك ذكاءً فطرياً في توزيع الأدوار واتخاذ القرار الجماعي السريع. وقد أظهرت تجارب ميدانية أنّ الطوافات يمكنها قطع مسافات طويلة جداً على سطح الماء، بل وحتى التفرّع إلى طوافات فرعية إذا لزم الأمر للحفاظ على البنية الكلية.

ويضيف العلماء أنّ هذه السلوكيات تطوّرت عبر ملايين السنين في مناطق رطبة مثل الأمازون وجنوب الولايات المتحدة، حيث الفيضانات شائعة. ومع تغيّر المناخ وازدياد الظواهر المتطرفة، تزداد أهمية فهم كيف تتكيّف الكائنات الصغيرة مع هذه التحديات. فالنمل الناري، رغم كونه كائناً بسيطاً في بنيته، يقدّم نموذجاً عن المرونة البيئية الفائقة وقدرة الحياة على إيجاد حلول مبتكرة للبقاء.

إنّ قصة “قارب النمل” ليست مجرد حكاية طريفة من عالم الحشرات، بل تذكير بأنّ الطبيعة تحمل في طيّاتها عبقرية تتجاوز الخيال البشري. فهي تعلّمنا أنّ التعاون والتنسيق يمكن أن يكونا أقوى من الخطر ذاته، وأنّ البقاء لا يتطلب القوة الفردية فقط، بل الإيمان بأنّ النجاة ممكنة حين نعمل معاً — تماماً كما تفعل هذه النملات الصغيرة التي تحوّلت إلى طوفٍ من الحياة وسط العاصفة.

خبر عاجل