#dfp #adsense

“نهدم ونهرب”.. وبيان ينحر الوطن والدولة

حجم الخط

في خضمّ التجاذب السياسي حول موقع لبنان ودوره، تبرز خطابات تكرّس منطق الأحادية في القرار الاستراتيجي، وخصوصًا ما يصدر عن منظمة “الحزب” في معرض الدفاع عن حصرية السلاح وارتباطاته الخارجية. وفي هذا السياق الملحّ، برزت رسالة المنظّمة المنظّمة بشكل ديبلوماسي – حربيّ واضح للرؤساء الثلاثة لرفض التوجّه المؤسّساتي الذي يحاول العهد الجديد جاهدًا قيادته. فهل تنفع بعد هذه المواقف المتطرّفة بسلبيّتها، سياسة مدّ اليد لهذا الفريق الذي لا يزال ينادي بقطع اليد الممدودة؟

إنّ البحث في حصرية السلاح هو محاولة “رضوخ لضغوط خارجية” أو “مطلب إسرائيلي”. فبمنظور هذا الفريق كلّ ما يتطابق مع مفهوم الدّولة يكون في خدمة الاسرائيلي، العدو الذي لا خلاف على عداوته إلا في الكيفيّة التي يصنّفه فيها هذا الفريق. إلا أنّ الواقع اللبناني والدستوري ينقض هذه المقولة من جذورها.

إنّ الدستور اللبناني، المكرّس في اتفاق الطائف، واضح في مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، وفي بسط سلطتها الكاملة على أراضيها وحدودها وقرار حربها وسلمها. لا توجد أي مادة دستورية أو قانونية تتيح وجود جيوش موازية. وعليه، فإنّ الدعوة إلى تطبيق ما هو منصوص عليه ليست استجابة لطلب أجنبي، بل مطالبة بعودة الشرعية إلى إطارها الطبيعي. زد على ذلك أنّ حكومة العهد الجديد أصدرت قرار حصريّة السلاح لكن حتّى الساعة لا زالت منظّمة “الحزب” تحاول  الانقلاب على هذا القرار كما دأبت على ذلك طوال تاريخها الانقلابي على المؤسسات.

كما إنّ حصرية السلاح شرط جوهري لقيام أي دولة. فقد أثبتت التجارب أنّ كلّ كيان سياسي يحوي داخله قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة يتّجه حتمًا نحو الانقسام الاجتماعي والسقوط. فمثلاً، فشلت الدول التي تبنّت نموذج “الجيش العقائدي الموازي” في الحفاظ على وحدة القرار، تمامًا كما حصل في اليمن والعراق وسوريا. والمفارقة أنّ هذه النماذج هي ذاتها التي يستلهم منها “الحزب” منطقه. فمشربهم واحد، ومنبعهم واحد، وهدفهم واحد. وهذا ما يجب إسقاطه.

أمّا القول إنّ المطالبة بحصرية السلاح مطلب أجنبي يتناقض مع حقيقة أنّ غالبية المكوّنات اللبنانية، بما فيها جمهور واسع من الشيعة، تعتبر أنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة، فالمسألة ليست صراعًا بين الداخل والخارج، بل صراع بين مشروع دولة ومشروع وصاية واحتلال مكوّناتي داخلي للهيمنة على القرار الدّستوري  في الدّولة، بهدف  تغيير هويّتها الكيانيّة… ومن هنا، فإنّ النقاش هو لبناني ـ لبناني قبل أن يكون أي شيء آخر.

يشدد خطاب الممانعة على أنّ “المرحلة تتطلب رصّ الصفوف في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية”، لكنّ هذه الحجة تستبطن تبريرًا لاستمرار الفوضى العسكرية. فالاعتداءات الإسرائيلية لا تُواجَه ببناء ميليشيات داخلية، بل بجيش وطني محترف قادر على اتخاذ القرار بمعزل عن حسابات إقليمية. بقاء السلاح خارج الدولة منع تطوير المؤسسة العسكرية، وجعلها غير قادرة على أداء دورها كقوة ردع. فالخيار الصحيح هو تعزيز الجيش، لا إضعافه بجيشٍ مواز.

ولا يمكن توحيد الصفوف في ظلّ تغييب الدولة عن قرار الحرب والسلم، إذ لا يمكن أن يُطلب من اللبنانيين أن يدفعوا ثمن حروب تُخاض باسمهم من دون مشاركتهم في قرارها. وتوحيد الجهود يبدأ بتوحيد السلطة، لا بتقسيمها. ولا يكون توحيد الجهود بمطالبة من يبني ليعيد إعمار مَن يهدم ويحمل شعار “نبني ونحمي” بينما الحقيقة أظهرت أنّ شعاره: “نهدم ونهرب”.

ويستفيد العدو الإسرائيلي من الانقسام الداخلي أكثر مما يستفيد من أي عامل خارجي. وكلّما تطوّر مشروع الدولة وتوحّدت مؤسساتها، ضاق هامش القدرة الإسرائيلية على استغلال التناقضات. بالمقابل، استمرار السلاح الموازي هو ما يمنح إسرائيل الذريعة لتكرار اعتداءاتها. وهذا ما لا يريد أن يفهمه “الحزب”.

يقول “الحزب” إنّ الوقوف إلى جانب الجيش والشعب لحماية السيادة هو “حق مشروع”. لكنّ هذا الادّعاء ينسف المفهوم نفسه الذي يقوم عليه مبدأ السيادة. فالدفاع المشروع لا يكون إلا بقرار صادر عن مؤسسة ذات سيادة. فإذا انتفى القرار المركزي انتفى مفهوم الدفاع نفسه. لا يمكن أن تكون هناك سيادة مع قرار أمني موزّع بين حزب ودولة. والقرار الحكومي صدر، والمنظّمة تصرّ على عدم الالتزام والسير بالوطن كلّه إلى الانتحار.

كما إنّ احتكار السلاح من قِبل جهة حزبية هو الذي جعل الجيش في موقع الضعيف أو التابع، وهو ما حوّل “المساندة” إلى “وصاية”. وكل جيش يخضع لوصاية قوى مسلّحة خارج إطار الدولة يفقد هيبته وثقة شعبه. وهذا ما يشهَد لمنظّمة “الحزب” بالنجاح بتحقيقه. فحماية السيادة لا تُبنى على الولاء لمحور إقليمي، بل على تجذّر الانتماء إلى الهوية اللبنانية. السلاح العقائدي المرتبط بعقيدة خارج الحدود لا يمكن أن يكون سلاحًا وطنيًا، لأنّه يخضع في نهاية المطاف لأولويّات طهران لا لأولويات بيروت.

يقول أرون ليبهارت في نظريته حول الديمقراطية التوافقية إنّ “نجاح الكيان السياسي متعدد المكوّنات يتوقف على احترام قواعد المشاركة والتوازن ومنع احتكار فئة للقرار”. فإذا كانت الديمقراطية التوافقية في لبنان قائمة أساسًا على مبدأ الشراكة، فكيف يمكن لهذه الشراكة أن تصمد فيما قرار السلم والحرب أحادي، والسلاح فوق الدولة، والولاء موزّع بين كيانين؟ وهل يمكن لوطنٍ أن يستمرّ ويزدهر إذا بقيت فئة تفرض خياراتها المصيرية خارج الشرعية وعلى حساب فكرة الكيان اللبناني ذاته؟ وأبعد من ذلك كلّه، باتت إشكاليّة جديدة تطرح بعد خيار الانتحار الوطني الذي اتّخذته منظّمة “الحزب” في رسالتها هذه مفادها: هل مِن فرصة حقيقيّة بعد اليوم لبناء وطن يقوم على شراكة مع هذا الفكر الذي يرفض مبدأ “التكاؤن” في المواطنة والعدالة مقابل الانتحار في التعصب الطائفي والنرجسية الإيديولوجية؟

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل