#adsense

«المقاومة التي ارتدت على الداخل»

حجم الخط

صحيفة نداء الوطن – د. جوسلين البستاني 

 

عندما وضع وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 حدًّا لـ «حرب الإسناد»، ظن اللبنانيون أن العنف قد انتهى، لكنهم كانوا مخطئين؛ إذ اقتصر التغيير على مسرح العمليات فقط. فلم يُشكّل أيّ وقفٍ لإطلاق النار شارك فيه «الحزب» منذ عام 2006 مرحلةً من ضبط النفس السياسي، بل كانت تتبعه حملةٌ متعمَّدة لتعزيز السيطرة على المشهدين الإعلامي والنفسي في لبنان. وبدلًا من السماح لمرحلة ما بعد «حرب الإسناد» بفتح المجال أمام نقاشٍ وطنيّ حول السياسة الأمنية أو مسألة نزع السلاح، حوّلها «الحزب» إلى ساحة حربٍ أيديولوجية وصراعٍ على الحقيقة.

 

وليس سرًّا أن «الحزب»، الذي طوّر في السنوات السابقة لهجمات السابع من أكتوبر استراتيجية معلوماتية متقدّمة، جعل هدفه الأساسي الاستخدام المكثف للحرب النفسية ولشبكات التواصل الاجتماعي، أولًا لمراقبة هذه المنصّات، وثانيًا لإسكات أي حسابٍ يعارض «المقاومة»، بغض النظر عن هوية صاحبه أو موقعه. غير أن ما بعد السابع من أكتوبر مثل تحدّيًا نوعيًا لمقاتليه الإلكترونيين، تمثل في محاولة مواكبة التفوّق المتزايد لإسرائيل في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب احتوائها المتقدّم نفوذهم الإعلاميّ. أمّا في الداخل اللبناني، فكان التهديد من طبيعة مختلفة؛ فلم يكن الذكاء الاصطناعي ولا حتى الهزيمة العسكرية المُهينة، بل التآكل المتسارع في شرعيّة «الحزب» لدى الجمهور الذي لطالما ادّعى الدفاع عنه.

 

بالتالي، أتى الردّ سريعًا ومدروسًا؛ إذ انتقل «الحزب» من «جبهة الإسناد» إلى الجبهة الداخلية. وقبل أن يجفّ حبر اتفاق وقف إطلاق النار، أطلق حملةً إعلامية مضادّة ومنسّقة لقمع المعارضة وإعادة كتابة سردية الحرب، بهدف استعادة سيطرته على الوعي الجماعيّ في لبنان.

 

في الواقع، تُعدّ هذه الحملة المكثفة من حرب المعلومات امتدادًا مباشرًا لاستراتيجيته العسكرية، ويمكن فهمها على نحوٍ أدق ضمن إطار ما يُعرف بـ «المقاومة الثقافية»؛ وهي ركيزة عقائدية يرفع من خلالها «الحزب» السيطرة السردية إلى مستوى أداةٍ أساسية من أدوات الصراع. وتتسق وثائقه التأسيسية، وكذلك خطابات قياداته المتعاقبة، مع هذا التصوّر، إذ تتعامل مع الساحتين الثقافية والإعلامية بوصفهما جبهتين موازيتين للـ»مقاومة». وقد صُمّم النظام الإعلامي لـ «الحزب»، الذي يشمل قناة «المنار» التلفزيونية وصحفه التابعة ومنصّاته الإلكترونية وشبكاته الاجتماعية، ليس بوصفه أداة تواصلٍ فحسب، بل كآليةٍ لفرض الانضباط وإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية.

 

كما يُشير حجم حملة حرب المعلومات هذه إلى أنها لم تكن تصرّفًا عفويًا، بل نتيجة تنسيقٍ دقيقٍ ومسبق. فقد وثق باحثون تابعوا النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي اللبنانية في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025 ظهور شبكاتٍ منسّقةٍ وغير أصلية، هدفت إلى تضخيم المحتوى المؤيّد لـ «الحزب».

 

وقد جمعت الحملة بين الأساليب القسرية التقليدية وأدوات الدعاية الرقمية الحديثة، لتُشكّل ما يمكن تسميته بـ «نظام معلوماتٍ هجين»، يدمج بين أدوات السيطرة النفسية والبروباغندا الإلكترونية. إذ شملت العمليات نشاطًا منسّقًا على منصّات التواصل الاجتماعيّ عبر شبكاتٍ من الحسابات الوهمية «ترولز» والروبوتات المبرمجة لتضخيم الرسائل وتشويه سمعة المنتقدين، ووصمهم بـ «الخونة» أو «المتعاونين مع الصهاينة» أو «العملاء للمخابرات الأميركية». كما اعتمدت الحملة على إغراق الفضاء العام برسائل وطنية ونداءاتٍ عاطفية للولاء الطائفي، لتوجيه المزاج العام وإعادة تأطير النقاش السياسي ضمن حدود السردية التي يفرضها «الحزب».

 

بمعنى آخر، سعت هذه الحملة، التي يمكن وصفها بـ «الإكراه الخطابي» (أي توظيف الخطاب كأداةٍ للإخضاع وإنتاج الامتثال من دون اللجوء إلى العنف المباشر)، إلى تحقيق أهدافٍ متداخلة: فإلى جانب القمع المنهجيّ الرامي إلى إسكات الأصوات المعارضة، والحفاظ على السلاح، وإعادة تأكيد شرعية «المقاومة»، انخرطت في عملية تبييضٍ سردي (Narrative laundering) من خلال صحافيين ورجال دين ومؤثرين متعاطفين مع «الحزب»،  وذلك بهدف تحويل الفشل العسكري إلى فعلٍ من أفعال «الصبر الإلهي»، بحيث تجنبت البيانات الصادرة عن مسؤولي «الحزب» ووسائل الإعلام الموالية له استخدام مفردة «الهزيمة»، وأُعيدت صياغة الخسائر على أنها اختبارٌ للإيمان أو إخفاءٌ موقتٌ للقوّة استعدادًا لـ «الجولة التالية».

 

أيضًا، يكمن في صميم هذا النهج مبدأ «حرية القرار»، الذي يستند إليه قادة «الحزب» لتبرير احتفاظهم بجهازٍ عسكريّ واستراتيجي مستقلّ خارج سلطة الدولة. فالمساواة بين استقلالية القرار السياسي والعسكري وبين مفهوم السيادة الوطنية نفسه، تقلب بذلك منطق الشرعية الدستورية رأسًا على عقب، لتغدو سيادة الدولة مشروطة بقدرة «الحزب» على «المقاومة». بالفعل، في الخطب التي تلت حرب عام 2006 والجولات اللاحقة من المواجهة، أكّد الأمين العام لـ «الحزب» الراحل مرارًا أن «أسلحة الحزب تضمن كرامة لبنان وحرية اتخاذ القرار». وبهذا المنطق، تُعاد صياغة أي مطالبة بنزع السلاح بوصفها تهديدًا مباشرًا لاستقلال لبنان، لا كخطوة لاستعادة الدولة.

 

في هذا السياق، لا تُعدّ الحرب الإعلامية التي يشنها «الحزب» مجرّد دعاية عشوائية، بل هي تكيّف استراتيجي متعمّد. فهي تهدف إلى ضبط حدود الخطاب العام، وتحديد ما يمكن وما لا يمكن قوله عن نتائج الحرب وعن «قوّة المقاومة» التي يُصوّرها «الحزب» كقوّةٍ لا يمكن تحدّيها، ما يجعل مجرّد التفكير في نزع السلاح أمرًا شبه مستحيل التصوّر.

 

الأهمّ أن الحملة الإعلامية والسياسية التي أعقبت الحرب تُظهر أن تركيز «الحزب» الراهن ينصبّ على ترسيخ هيمنته داخل الساحة اللبنانية، وتعزيز سلطته، وضمان استدامة نفوذه، وبالتالي سلاحه. أمّا المواجهة مع إسرائيل، فقد باتت مؤجَّلة ضمن حساباته الاستراتيجية، على الرغم من إعادة بناء ترسانته العسكرية.

 

وفي المقابل، بينما تحاول الدولة اللبنانية استكمال مسار نزع سلاح «الحزب» وإعادة بسط سلطتها، تواصل إيران تزويده بالأسلحة والتمويل، ما يجعل أي محاولة لبناء سيادة فعلية أشبه بسباقٍ مع الريح.​

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل