
يظن الكثيرون أن النجاح المهني أو الثروة المادية هما المفتاح الحقيقي للسعادة، إلا أن خبراء الصحة النفسية يرون الصورة من منظور أعمق وأكثر توازناً. فالسعادة – وفقاً للخبير النفسي آي آر أتمان (I.R. Atman) – لا تُقاس بالمظاهر أو الممتلكات، بل تُبنى على ثلاثة عناصر رئيسية تشكل جوهر الشعور بالرضا الداخلي: المتعة، والسلام، والهدف.
ويؤكد أتمان أن هذه العناصر تمثل الركائز الأساسية للسعادة الدائمة، إذ إن المتعة ترتبط بتجارب بسيطة تمنح الإنسان لحظات من الفرح، بينما يعبر السلام عن الانسجام الداخلي والهدوء النفسي، أما الهدف فهو ما يمنح الحياة معنى واتجاهًا، ويساعد الإنسان على تجاوز التحديات اليومية بثبات.
وفي هذا السياق، أشار الخبير إلى وجود خمس عادات يومية يمكن أن تساعد أي شخص على تعزيز إحساسه بالسعادة والرضا النفسي، وهي: ممارسة الامتنان، أي التقدير الواعي للنعم الصغيرة في الحياة؛ الابتسامة، التي تفرز هرمونات إيجابية في الدماغ وتؤثر في من حولنا؛ التأمل أو الصلاة لتحقيق السلام الداخلي؛ نشر السعادة بين الآخرين عبر الكلمة الطيبة أو الفعل الجميل؛ وأخيراً تحديد الأهداف الواقعية التي تمنح الإنسان شعوراً بالإنجاز والتقدم.
ويضيف أتمان أن السعادة ليست مجرد حالة مؤقتة أو لحظة عابرة من الفرح، بل هي موقف ذهني وطريقة تفكير يمكن ترسيخها بالممارسة والوعي. فالصحة النفسية، بحسب قوله، تعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على إدارة المشاعر والتعامل المتوازن مع التقلبات العاطفية، بعيداً عن الإفراط في البحث عن المتعة أو التعلق بالماديات.
ويشير الخبراء إلى أن السعادة تؤثر بشكل مباشر على الصحة الجسدية والعقلية، إذ تساهم في تقوية جهاز المناعة وتقليل مستويات التوتر وتحسين جودة النوم والتركيز، مما يجعلها عنصراً أساسياً للحياة المتوازنة. ومن هنا، يدعون إلى تبني عادات إيجابية يومية بسيطة بدلاً من ملاحقة الأحلام البعيدة أو انتظار الأحداث الكبرى لجلب الفرح.
كما يوضح أتمان أن السعادة ليست حظاً أو صدفة، بل مهارة يمكن اكتسابها بالتدريب المستمر. فالعقل البشري قابل لإعادة البرمجة، ويمكن لأي شخص أن يدرب نفسه على التفكير الإيجابي والتركيز على الجوانب المشرقة من الحياة بدلاً من الاستغراق في السلبيات. فكل مرة يختار فيها الإنسان الامتنان والتفاؤل، يعيد تشكيل طريقة عمل دماغه باتجاهٍ أكثر سعادة وسلاماً.
في النهاية، يختصر الخبراء المعنى الحقيقي للسعادة بأنها قرار داخلي لا يُمنح من الخارج، بل يُبنى خطوة بخطوة عبر الوعي، الامتنان، والاتصال الصادق بالذات والآخرين.