#dfp #adsense

أنطوان نصر وفرقة الصدم.. قصة الرحيل والخلود

حجم الخط

أنطوان نصرأنطوان نصرأنطوان نصرأنطوان نصر

“ها أنا أرحل… وأتدحرج كالحصى،

من تكيّفٍ إلى اكتشاف، ومن نضالٍ إلى سبات،

حتى أصل ذاك الشاطئ المجهول، الذي تقذفني إليه الموجة، فأنتهي.

لقد انتهى زمني”. (انطوان نصر)

 

في شتاءٍ قاسٍ من 17 شباط من العام 1990، سُطّرت واحدة من أعنف المعارك: معركة أدما، في كسروان.

لم تكن خيارًا أو مغامرة، بل واجبًا فرضه العدوان المستمر والواقع الميداني في آنٍ واحد. فالموقع كان ممرًا إلزاميًا للدفاع عن مناطق حيوية مفصلية بين كسروان وجبيل، ومفتاح الطريق الساحلي الذي لا يمكن التفريط به والسيطرة عليه تعني خنق الجبهة الشرقية، وفيه تمركزت نخبة قوات الخصم، فبات تهديدًا مباشرًا لتماسك المناطق الحرة.

وعندما سقطت كل محاولات التهدئة، اتُّخذ القرار بالدفاع عن الأرض والناس، لا بالهجوم، بل في وجه من تنكّر لجوهر الشرعية وحوّلها أداةً للهيمنة. فكانت ساحةً فاصلةً بين البقاء والانهيار لا خيار فيها إلا الصمود، أو الزوال.

قرعت طبول المعركة، وكان العدو قد حشد قواته مسبقًا، مدجّجًا بالسلاح والرجال، يراهن على انهيار الجبهة بسرعة. ومنذ اللحظة الأولى، كان أنطوان نصر، ابن فرقة نخبة النخبة، في طليعة المتقدّمين على التلال المواجهة لأدما.

عيناه ثابتتان، خطواته محسوبة، يحمل سلاحه كما يحمل إيمانه بقضيته. قاتل لسبعة عشر يومًا متواصلة من دون كلل، شارك وتنقّل بين الجبهات، أُصيب أكثر من مرّة، لكنه كان يرفض الانسحاب.

في تلك الليلة، حين بلغت المعارك ذروتها مع انهمار القذائف والرصاص، انطلق أنطوان في الخطوط الأمامية، يقود محاولة إلهاء ليحمي رفاقه من التفاف القوات المهاجمة…

وفي تلك اللحظات الهوجاء، باشرت القوات المعادية قصفًا مدفعيًا مركزًا، فسقطت قذيفة عيار 155 ملم قرب موقعه، وتناثرت شظاياها في كل اتجاه، فاخترق بعضها أنطوان بإصابةٍ مميتة في صدره وعنقه.

نزف واقفًا، يقاتل حتى الرمق الأخير، يصرخ في رفاقه يشجّعهم على الصمود، كأن صوته كان يحاول أن يهزم الموت نفسه.

الى أن… توقّف الزمن.

تراجع أنطوان خطوتين، وتمايل حاملاً في صدره آخر نبضة حياة، ثم سقط على ركبتيه.

كانت آخر قطرات دمه تنساب على التراب الذي أحبّه وأقسم على حمايته، فيما السماء تمطر نارًا فوق جسده الصامد، وهو ما زال ممسكًا بسلاحه، يأبى أن يسقط قبل أن يطمئنّ على سلامة رفاقه.

لفّه الدخان واللهيب، وساد الصمت الثقيل من حوله. محدقًا برفاقه للمرة الأخيرة، كأنها نظرةُ أمرٍ عسكريٍّ لم يُنطَق بعد. ثم رفع نظره إلى السماء، وارتسمت على وجهه الملطّخ بالتراب والدم ابتسامة وداعٍ وطمأنينةِ محاربٍ أدّى واجبه حتى النهاية، ولم ينهزم…

ناداه رفاقه كثيرًا، لكنّ أصواتهم اختنقت وسط دوي القذائف، والنار كانت تحرسه كأنها تغار عليه من الوداع.

فهرع أحد الرفاق لإحضار المساعدة الطبية متنقلاً بين الركام ومتمسّكًا بالأمل، لكن حين عاد، كان أنطوان قد أسلم روحه إلى ربّه عند شروق الشمس، بصمتٍ متزامن مع توقّف إطلاق النار، كأنّ فجر السماء كان ينتظره ليولد من جديد في الحياة الأبديّة… فرقد بسلام، وفي جيبه، ورقة صغيرةً مطويّة بعناية، ممهورةً بخطّ يده:

“وصيّتي،

أن يُنقَل رفاتي إلى أرز الرب في جاج، قرب كنيسة الرب.

طوني نصر

في 17/2/1990.”

وفي تلك اللحظة نفسها، في بيروت، استيقظت والدته فجأة من نومٍ مثقلٍ بالقلق. سارعت إلى ارتداء الأسود بلا وعي، وقلبها يرتجف، رافضةً تصديق الخبر الذي وصلها عن إصابة شقيقتها بجروحٍ خطِرة. فصرخت باكية حبًّا وخوفًا وألمًا، وأكّدت: “أختي منيحة… هيدا ابني يلي نصاب ومات…”

لم تكن تُدرك كيف عرفت، لكنّ الخيط الخفي بين الأم وولدها كان لا يزال نابضًا… ذاك الشعور الذي لا يقطعه موت، ولا يخطئ طريقه.

كان أنطوان محبًّا للحياة مالئها، لكنه كان مستعدًّا للموت تمامًا في يوم استشهاده، كمقاتلٍ في فرقة النخبة. يخوض معركةً فُرضت عليه، وقد تكتب له نهايةً مبكّرة. فطريق النخبة لا يُكملها إلا أولئك الذين وُلدت أرواحهم لتلبية دعوتها المقدّسة، من دون كللٍ أو تردّد، ومن دون أن يطلبوا لأنفسهم مجدًا أو نجاة.

وقد سبق له أن دوَّن قبل رحيله بالفرنسية ما رآه في أحلامه، بصدقٍ وإيمان، كأنه يعرف أن الوداع بات أقرب من الرجوع، مُناجيًا ربَّه بكلماتٍ تسبق القدر:

“محكومٌ بميلادي، بأوجاع الوجود في الزمن، تعيسٌ لأنني أتحمّل عبءَ الكينونة،

ومذعورٌ، لأنّ من يمكنه وحده أن يضع حدًا لذلك، هو الموت.

يا بُستانيّ وجداني، ازرع فيَّ زهرةً من اليقين.

قل لي: ما اسم ذلك البيت، ذاك الذي يسكنني شكلاً وظلًّا؟

أخبرْني: أين هي الشجرة التي تتوافق مع الأرض التي أرى نفسي جالسًا عليها، حين يمتزج الضوء بعتمة الليل”؟

فوصله الجواب في الليلة السابقة لاستشهاده، فعرف أين هي تلك الأرض التي سأل عنها. كتب وصيّته، وتناول سلاحه، مستعدًّا لأن يُسجَّل اسمه بين الشهداء، ثم انطلق إلى آخر معركةٍ له، هامسًا لمن ترافق معه بهدوءٍ يشبه الصلاة: “الموت مش نهاية، أهم شي تبقوا سوا، وتتذكَروا ليش بلّشنا…”

أنطوان نصر تطوّع في صفوف “القوات اللبنانية” في 20 أيلول من العام 1981، على الرغم من معارضة والدته الشديدة خوفًا عليه، إذ كان معيل العائلة، ولم تمضِ سنتان على وفاة والده. لكنّه كان يحمل في قلبه التزامًا لا يلين بالقضيّة، وشجاعةً لا تعرف الخوف. كان يساند رفاقه بصمت، ويغطي هفواتهم بصبرٍ ومحبّةٍ أخويّة.

كما ترافق مع أبٍ روحيٍّ يرعاه ويرشده، ويهيّئه ليكون راهبًا بعد انتهاء الحرب، وكان ملتزمًا بدينه كـ”راهبٍ” في المعهد، ثمّ في ثكنة الصدم. وإلى جانب سريره، وُجد دائمًا كتاب “الاقتداء بالمسيح”، يفتحه كلّما ضاقت به الحياة، فيجد في صفحاته عزاءً وسلامًا يعيدان إليه الطمأنينة مع كلّ فقدان.

أنطوان كان الأخ الأكبر والمسؤول عن شقيقه وشقيقته. نشأ في بيتٍ مقاومٍ غُرس فيه الإيمان والانضباط منذ الصغر. صارمٌ في مواقفه، قليل الكلام، كثير الصلاة والتأمّل، عميق الإيمان. أحبّ الكشّافة والمطالعة والعزف الموسيقي، وتميّز بأخلاقٍ عالية لا تعرف الغرور ولا المصلحة الفرديّة.

وحتى قبيل استشهاده، وتحديدًا نهار الخميس، كتب لأهله رسالةً يُخبرهم فيها بأنّهم سينتقلون للعيش بالقرب منه في ديرٍ قريب، لكنّ القدر كان أسرع؛ فقد استُشهد صباح الأحد، كمحاربٍ في فرقة الصدم، من دون أن يعلم أهله بأنّه أصبح جزءًا منها. فكان لقاؤهم الأخير في دلبتا، ومن ثمّ وُوري الثرى في مدافن سيّدة إيليج، ووُضع صليبٌ وتذكارٌ في أرز جاج كما أراد، ليبقى أثره خالدًا في الإيمان والتضحية، ورمزًا لحياةٍ عاشها بأقصى درجات الإيمان والوفاء والكرامة.

استشهاد أنطوان لم يكن سقوطًا، بل موقفًا في حربٍ لم تكن فقط ضدّ خصم، بل ضدّ كلّ من خان المبادئ، وكلّ من غدر بالرفاق الذين حملوا الراية بصدق.

في تلك المعركة، سقط واحدًا من أركان نُخبة الميدان، محاربًا ببسالةٍ لا تُجارى ولا تُمحى، وبتاريخٍ كُتِب بالأقلام الخالدة البعيدة عن المصالح.

أدرك أنطوان باكرًا أنّ القضيّة ليست أمرًا عسكريًا فحسب، بل التزامَ شرفٍ وولاءٍ لا يتبدّل. فوقف بين نار الثقة المحروقة، والقذائف التي لا تفرّق بين جسدٍ وخيانة، وبين جليد الولاء حين يخذلك القريب، والقلب الموجوع من رصاص الداخل قبل العدو.

حمل نور الأخوّة والقضيّة على كتفه، وكتب نصر المعركة بالدم لا بالحبر، في صحراء إلغاء الآخر… إيمانًا، لا انتقامًا….

نجحت عمليّته، ونجا رفاقه، وانكفأت القوات المهاجمة إلى خلف خطوط المعارك… لكنّ الثمن كان حياته، مثبتًا بذلك أنّ الذكاء والرحمة أسمى من الحقد والسلاح…​

إقرأ ايضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل