
في اكتشاف علمي جديد قد يفتح آفاقاً واسعة لعلاج مرض السكري، تمكن باحثون من تحديد مركّب طبيعي موجود في نوع نادر من التوت الصحراوي يُعرف باسم “نيتاريا روبوروسكاي كوم” (Nitraria roborowskii Kom)، يمكن أن يشكل ثورة في مجال الطب الحيوي عبر تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم مستويات السكر في الدم بطريقة طبيعية وآمنة. هذا النبات، الذي ينمو في البيئات القاحلة في مناطق آسيا الوسطى وشمال الصين، كان يستخدم منذ قرون في الطب الشعبي لعلاج اضطرابات الكبد والجهاز الهضمي، لكن الأبحاث الحديثة كشفت عن إمكانات مذهلة تتجاوز الاستخدامات التقليدية.
فقد أجرى فريق من العلماء في جامعة العلوم الطبية في بكين دراسة موسعة على مستخلص هذا التوت، وأظهرت النتائج أن المركّبات النشطة فيه — خصوصاً الفلافونويدات ومضادات الأكسدة القوية — قادرة على إعادة تنشيط وظائف خلايا “بيتا” في البنكرياس، وهي الخلايا المسؤولة عن إفراز الإنسولين. كما لوحظ أن المستخلص ساعد على تحسين استجابة الخلايا للإنسولين في الجسم، ما أدى إلى خفض مستويات الجلوكوز في الدم بشكل ملحوظ لدى الفئران المصابة بداء السكري من النوع الثاني.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في كونه يقدّم مقاربة طبيعية لمعالجة الخلل الجزيئي الذي يرافق المرض، وليس مجرد وسيلة للسيطرة المؤقتة على الأعراض كما تفعل بعض الأدوية التقليدية. فالمركبات الموجودة في التوت الصحراوي تساهم في تحسين عملية الأيض على مستوى الخلايا، عبر تعزيز قدرة الميتوكوندريا على إنتاج الطاقة، وتقليل الإجهاد التأكسدي الذي يُعد أحد الأسباب الرئيسية لتلف خلايا البنكرياس. كما أظهرت التحاليل المخبرية أن هذه المركبات تُبطئ عملية الالتهاب المزمن في الأنسجة الدهنية، وهو عامل أساسي في تطور مقاومة الإنسولين.
إضافة إلى ذلك، تبين أن تناول جرعات معتدلة من مستخلص التوت الصحراوي ساهم في تنظيم مستويات الدهون في الدم، إذ خفّض نسب الكوليسترول الضار ورفع الكوليسترول الجيد، مما يعزز من صحة القلب والأوعية الدموية لدى مرضى السكري. هذا التوازن الحيوي بين التحكم في السكر والدهون يجعل النبات مرشحاً مثالياً لتطوير مكملات غذائية أو أدوية عشبية متعددة الفوائد.
ولم تتوقف الأبحاث عند هذا الحد، إذ بدأ الفريق العلمي بدراسة تأثير المركبات النشطة على ميكروبيوم الأمعاء، أي البكتيريا النافعة التي تلعب دوراً محورياً في عملية الهضم وتنظيم المناعة. النتائج الأولية كانت مشجعة، إذ أشارت إلى أن مستخلص التوت يساعد في إعادة التوازن إلى بيئة الأمعاء، مما ينعكس إيجاباً على الامتصاص الغذائي وتنظيم الشهية. ويُعتقد أن هذا التأثير المزدوج — الداخلي على الخلايا والبكتيري على الميكروبيوم — قد يكون وراء فعالية النبات في تحسين المؤشرات الأيضية العامة.
من الناحية الطبية، يرى بعض الباحثين أن هذه النتائج قد تمهد الطريق لإدخال مكونات من التوت الصحراوي ضمن الأدوية المستقبلية لعلاج السكري أو حتى للوقاية منه. كما يجري حالياً اختبار فعالية المستخلص على البشر ضمن تجارب سريرية محدودة في الصين وأوروبا، لمعرفة مدى أمانه وتأثيره الطويل الأمد على مرضى السكري من النوع الثاني. وإذا أثبتت هذه الدراسات نفس النتائج التي ظهرت في التجارب الحيوانية، فقد يشهد العالم نقلة نوعية في طريقة التعامل مع هذا المرض المزمن الذي يطال أكثر من 500 مليون إنسان حول العالم.
إن التوت الصحراوي، برغم ندرته وصعوبة زراعته، يحمل في طياته وعداً علمياً كبيراً يعيد التذكير بقيمة الطبيعة كمصدر غير محدود للعلاجات المحتملة. فربما لا يكون الحل دائماً في المختبرات الصناعية المعقّدة، بل في نبات بسيط قاوم قسوة الصحراء واحتفظ في ثماره بأسرار كيميائية قادرة على إحياء الأمل في حياة صحية خالية من عبء السكري.