
هل يمكن لآلة أن “تشُمّ”؟ يبدو السؤال غريبًا، لكنّه لم يعد خيالًا علميًا. في مختبرات اليابان وكوريا والولايات المتحدة، يعمل علماء على تطوير أجهزة قادرة على تمييز الروائح كما يفعل الإنسان — وربما بدقةٍ تفوق حواسنا. هذه التقنية الثورية تُعرف باسم الشمّ الاصطناعي أو “الأنف الإلكتروني”، وقد بدأت فعليًا تشقّ طريقها نحو الطبّ، والصناعة، وحتى الفنادق!
تعتمد فكرة الأنف الإلكتروني على دمج أجهزة استشعار نانوية متخصّصة مع خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل الأنماط الكيميائية للروائح. كلّ رائحة في العالم عبارة عن مزيج فريد من الجزيئات المتطايرة، وعندما تلتقط هذه المجسّات الإشارات، تُحوّلها إلى بيانات رقمية تُقارن بمكتبة ضخمة من “بصمات الروائح”. والنتيجة؟ الجهاز يستطيع أن يقول بدقّة ما إذا كانت الرائحة تنتمي إلى فاكهة ناضجة، أو طعام فاسد، أو حتى أنفاس مريض مصاب بمرضٍ محدّد.
في اليابان، طوّر فريق من جامعة طوكيو جهازًا يستطيع تمييز أكثر من 500 نوع من الروائح باستخدام شرائح سيليكون نانوية. وفي كوريا الجنوبية، صمّم الباحثون أنفًا إلكترونيًا يستطيع اكتشاف علامات السرطان من رائحة تنفّس المريض بدقّة تجاوزت 90٪. هذه الإنجازات تفتح الباب أمام ثورة في الطبّ التشخيصي غير الجراحي، حيث يمكن للجهاز أن يلتقط الأمراض مبكرًا قبل ظهور الأعراض التقليدية.
أما في عالم الأغذية والعطور، فالتقنية تحمل وعودًا مذهلة. إذ يمكن استخدامها في مراقبة جودة المنتجات خلال النقل والتخزين، أو في تصميم عطور مخصّصة بناءً على تفضيلات الزبائن. تخيّل أن تدخل متجرًا للعطور، فيقوم جهاز صغير “بشمّ” نبضك أو ملابسك، ثم يقترح عطراً يتناسب مع مزاجك أو حالتك العاطفية في تلك اللحظة!
وللتقنية أيضًا تطبيقات في البيئة والسلامة العامة. إذ يمكن للأنوف الاصطناعية رصد تسرّب الغازات السامة في المصانع أو الكشف عن الملوّثات في الهواء بدقة تفوق أجهزة الاستشعار التقليدية. كما يمكن أن تُستخدم في البحث والإنقاذ عبر تتبّع رائحة بشرية تحت الأنقاض بعد الكوارث.
لكن رغم الحماس، لا تزال هناك تحدّيات كبيرة أمام تعميم هذه التكنولوجيا. فحاسة الشمّ البشرية معقّدة للغاية — إذ يملك الإنسان أكثر من 400 نوع من المستقبلات الشمّية، ويعتمد على التفاعل بين ملايين الإشارات الدقيقة لتمييز الروائح المتشابهة. محاكاة هذا النظام البيولوجي بالكامل تحتاج إلى قوة حوسبة هائلة وبيانات ضخمة تُغذّي الخوارزميات باستمرار.
ومع ذلك، فإنّ التقدّم الحاصل يوحي بأنّنا أمام عصر جديد من الإدراك الحسي الرقمي. وربما قريبًا لن يكون الذكاء الاصطناعي قادرًا فقط على الرؤية والسمع والتحدّث، بل أيضًا على الشمّ — بل وتذكّر الروائح كما يفعل الإنسان عندما تستعيد ذاكرته لحظة قديمة عبر عطرٍ مألوف.
في النهاية، حين تلتقط الآلة عبير الزهر أو رائحة المطر، قد ندرك أنّ الفاصل بين الإنسان والتكنولوجيا بات أرقّ من أيّ وقت مضى. وربما سيأتي يومٌ يصبح فيه “الأنف الإلكتروني” جزءًا من حياتنا اليومية… تمامًا كما أصبحت الكاميرا والعين الإلكترونية اليوم.