#adsense

المكاتب المزدحمة تقلّل الإبداع.. والمكاتب الفوضوية تحفّزه!

حجم الخط

لطالما رُبط النظام والترتيب بالكفاءة والإنتاجية، فيما وُصمت الفوضى بالإهمال والكسل. لكن العلم، كعادته، يحبّ مفاجأتنا. فقد أثبتت دراسات حديثة أنّ قليلاً من الفوضى قد يكون المفتاح السري للإبداع، وأن المكتب المرتّب أكثر من اللازم يمكن أن يُطفئ شرارة الخيال.

في تجربة أجرتها جامعة مينيسوتا، وُزّع المشاركون على غرفتين: واحدة مرتّبة بدقّة تكاد تكون مثالية، وأخرى فوضوية تتناثر فيها الأوراق والأقلام والملفات. طُلب من الجميع ابتكار أفكار جديدة لاستخدامات غير تقليدية لأشياء بسيطة. النتيجة؟ الأشخاص الذين عملوا في الغرفة الفوضوية قدّموا أفكارًا أكثر جرأة وابتكارًا، بينما كانت أفكار أصحاب الغرفة المرتّبة آمنة وتقليدية.

يفسّر الباحثون هذا بأنّ الفوضى المعتدلة تحفّز الدماغ على الخروج من الأنماط الفكرية المألوفة. فعندما يواجه العقل بيئة غير منظمة، يُضطر إلى البحث عن النظام داخل الفوضى، مما يدفعه إلى الربط بين عناصر غير متوقّعة. إنها عملية تفكير “مرنة” تشجّع على توليد الأفكار الجديدة.
في المقابل، يعزّز الترتيب المفرط الإحساس بالانضباط والامتثال للقواعد، وهو ما يُفيد في المهام التنظيمية، لكنّه يُقيّد الإبداع.

الأمر لا يعني أنّ نغرق في الفوضى. فالتوازن ضروري: فوضى خفيفة تعكس حركة ونشاطاً ذهنيين، لكن تراكم الأغراض والملفات قد يتحوّل إلى عبء بصري يسبّب التوتّر والإرهاق الذهني.
السرّ يكمن في إيجاد ما يُسمّيه علماء السلوك “نقطة الفوضى المثمرة”، أي الحدّ الذي يُحفّز دون أن يُربك.

بعض الشركات الإبداعية الكبرى مثل “غوغل” و”بيكسار” لاحظت هذا التأثير منذ سنوات، فقرّرت السماح بقدر من “الفوضى المنظمة” في مكاتب موظفيها. تجد هناك مكاتب مليئة بالكتب والألعاب والرسومات، في مشهد بعيد عن الصورة النمطية لمكان العمل الرسمي. الهدف ليس الإهمال، بل خلق بيئة تحرّك الخيال وتشجّع على التفكير الحرّ.

ومن المثير أنّ الفوضى لا تؤثر فقط في الأفكار، بل في السلوك الشخصي أيضًا. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Psychological Science أنّ الأشخاص في المكاتب الفوضوية كانوا أكثر استعدادًا لتجربة أطعمة جديدة أو اقتراح أفكار غير مألوفة، بينما فضّل أصحاب المكاتب المرتّبة الالتزام بما هو مألوف ومتوقّع. أي أنّ بيئة العمل لا تخلق فقط أفكارنا، بل تشكّل شخصياتنا اليومية أيضًا.

لكن ماذا عن الجانب العملي؟ إذا كنت من الذين لا يحتملون الفوضى، يمكنك تطبيق “الفوضى المخطط لها”: خصّص زاوية من مكتبك لصور، أو قصاصات، أو أغراض تلهمك، واتركها من دون ترتيب صارم. هذا الركن غير المنظّم سيكون بمثابة مساحة صغيرة لتحرير عقلك.
أما إذا كنت تميل إلى الفوضى بطبيعتك، فاحرص على تنظيف مكتبك دوريًا حتى لا تتحوّل العشوائية إلى عبء يشتّت انتباهك.

في النهاية، يبدو أن النظام لا يعني بالضرورة الإبداع، وأن الفوضى ليست دائمًا عدوًا يجب القضاء عليه. ففي مساحة غير مرتّبة تمامًا، وبين ورقة وأخرى، قد تختبئ الفكرة العظيمة التالية.

خبر عاجل