Site icon Lebanese Forces Official Website

لماذا نتحدّث إلى أنفسنا بصوت مرتفع؟ العلم يملك الإجابة!

قد تلاحظ نفسك أحيانًا تتمتم بكلمات وأنت تبحث عن شيء مفقود، أو تراجع ما ستقوله في اجتماع مهم، أو حتى تلوم نفسك بعد خطأ بسيط. هذا السلوك الذي يبدو للآخرين غريبًا أو “جنونيًا” ليس علامة اضطراب كما يظنّ البعض، بل ظاهرة نفسية طبيعية، بل ومفيدة، يؤكد العلماء اليوم أنها أداة ذكية لتنظيم التفكير وتحسين التركيز.

الدراسات النفسية الحديثة أثبتت أنّ التحدّث إلى الذات — سواء بصوت مسموع أو داخلي — يساعد الدماغ على معالجة المعلومات بطريقة أكثر وضوحًا. فعندما نحول الأفكار إلى كلمات منطوقة، يصبح من الأسهل علينا فهمها، وترتيبها، واتخاذ قرارات بشأنها. إننا، ببساطة، نُحوّل الفوضى الذهنية إلى جمل يمكن التعامل معها.

في تجربة أجراها علماء من جامعة بنسلفانيا، طُلب من المشاركين البحث عن غرض معيّن داخل غرفة مليئة بالأشياء. وُجد أنّ الذين كرّروا اسم الغرض بصوت مرتفع (“أين الهاتف؟ الهاتف… الهاتف…”) وجدوه أسرع من أولئك الذين بحثوا بصمت. السبب أن التحدّث بصوت عالٍ ينشّط مناطق في الدماغ مسؤولة عن الانتباه البصري، ما يجعل العين أكثر حساسية تجاه ما نبحث عنه.

لكنّ الفائدة لا تقتصر على المهام اليومية. التحدّث إلى النفس يُستخدم في علم النفس السلوكي كأداة فعّالة لتنظيم العواطف وتقليل التوتّر. الرياضيون المحترفون مثلًا يعتمدون على “الحوار الذاتي الإيجابي” قبل وأثناء المنافسات، إذ يكرّرون عبارات تحفيزية مثل “أستطيع فعلها” أو “ابقَ مركزًا”. هذه الجمل القصيرة تُعيد برمجة الذهن وتقلّل من تأثير القلق، مما ينعكس على الأداء الجسدي والذهني.

علماء الأعصاب يفسّرون هذا بأنّ الكلام الموجّه للذات يفعّل منطقة بروكا في الدماغ، المسؤولة عن النطق واللغة، ويربطها بمناطق المعالجة الإدراكية، كالفصّ الأمامي المسؤول عن اتخاذ القرار. بكلمات أخرى، حين تتحدث إلى نفسك، فإنك تدير “اجتماعًا داخليًا” بين أقسام دماغك المختلفة لتنسيق العمل فيما بينها.

أما من الناحية النفسية، فالتحدّث إلى الذات يساعد على تنظيم المشاعر. عندما نسمع أنفسنا نعبّر عن القلق أو الغضب بصوت مسموع، نضع مسافة بيننا وبين التجربة، وكأننا نتحدّث مع شخص آخر. هذا الفصل البسيط يتيح لنا رؤية الموقف بموضوعية أكبر.
ولذلك يستخدم بعض المعالجين النفسيين أسلوب “الحوار الذاتي الموجّه” ضمن جلسات العلاج السلوكي، لتعليم المرضى كيفية تحويل النقد الذاتي القاسي إلى حديث أكثر تعاطفًا مع الذات.

ومن المثير أنّ الأطفال يمارسون هذا السلوك بالفطرة. إذا راقبت طفلًا يلعب، ستسمعه يحدّث نفسه باستمرار: يوجّه، يشرح، ويبرّر. هذه المرحلة تُعرف في علم النفس بـ “الكلام الموجّه للذات”، وهي أساسية في تطوير التفكير المنطقي والقدرة على حلّ المشكلات.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من حدود. فحين يصبح الحديث مع الذات مفرطًا أو يتضمّن أصواتًا خارجية أو أوامر عدوانية، فقد يكون مؤشّرًا على اضطراب يحتاج لتقييم طبي. أما في الحالات الطبيعية، فالكلام مع النفس هو ببساطة… علامة على أن دماغك يعمل بذكاء.

لذا، في المرة القادمة التي تهمس فيها “أين وضعت المفاتيح؟” أو “هيا، يمكنك فعلها”، لا تخجل من نفسك. أنت فقط تمارس واحدة من أذكى العادات الإنسانية وأكثرها نفعًا للعقل.

Exit mobile version