#adsense

المزاج والطقس.. علاقة أعمق مما نظنّ!

حجم الخط

من منّا لم يشعر بمزاجٍ مختلف في يومٍ مشمس مقارنة بيومٍ غائم؟ لطالما اعتقد الناس أنّ الطقس يؤثر على النفسية، لكنّ الأبحاث الحديثة تُظهر أنّ العلاقة بين الجوّ والمزاج أعقد بكثير مما نظنّ، وأنّ ما يجعل البعض يبتسم مع شروق الشمس قد يجعل آخرين أكثر توتّرًا وانزعاجًا.

يقول علماء النفس إنّ الضوء الطبيعي هو العامل الأهم في هذه المعادلة. فالتعرّض لأشعة الشمس يُحفّز إنتاج هرمون السيروتونين، المسؤول عن الشعور بالسعادة والرضا. ولهذا ترتبط الأيام المشمسة عادة بالإيجابية والنشاط.
لكن المفارقة أنّ بعض الدراسات وجدت أنّ فئة من الناس — خصوصًا من يعيشون في مناطق حارّة — قد يشعرون بالعصبية أو الضيق في الأيام المشمسة الطويلة، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التحفيز العصبي الناتج عن الضوء القوي.

في المقابل، هناك أشخاص يشعرون براحة وهدوء في الأجواء الغائمة أو الماطرة. هؤلاء يُطلق عليهم علماء النفس “محبّو المزاج الرمادي”. فحين تنخفض الإضاءة وينتشر صوت المطر، يدخل الجسم في حالة استرخاء هرموني، إذ يزداد إفراز “الميلاتونين” المهدّئ، ويتراجع مستوى الكورتيزول، هرمون التوتّر. لذلك نجد كثيرين يحبّون الجلوس قرب النافذة في يومٍ ممطر، يشربون القهوة ويشعرون بالسكينة — تلك ليست مصادفة، بل تفاعل بيولوجي حقيقي.

الطقس لا يؤثر فقط في المزاج اللحظي، بل في السلوك الاجتماعي أيضًا. فبحسب دراسة أسترالية، تزداد معدلات الكرم والمساعدة بين الناس في الأيام المشمسة، بينما ترتفع معدلات العزلة والميل إلى التأمّل في الأيام الغائمة. يبدو أنّ الشمس تفتح القلب كما تفتح الأزهار، في حين أنّ الغيوم تدعو إلى التفكير الداخلي والهدوء.

وإذا كان الصيف موسم النشاط الاجتماعي والانفتاح، فإنّ الشتاء هو موسم الحميمية والعزلة الهادئة. وهذا لا يعني الكآبة بالضرورة؛ فالكثير من الناس يستمتعون بالهدوء الشتوي الذي يمنحهم شعورًا بالأمان والدفء الداخلي.

لكنّ بعض الحالات قد تتجاوز هذا التفاعل الطبيعي. هناك اضطراب نفسي يُعرف باسم الاكتئاب الموسمي، يظهر عادة في فصول الشتاء الطويلة قليلة الضوء، ويُسبّب انخفاضًا في الطاقة وصعوبة في التركيز. العلاج بسيط نسبيًا، ويشمل التعرّض المنتظم للضوء الطبيعي أو استخدام أجهزة “العلاج الضوئي” التي تحاكي أشعة الشمس.

ومن المثير أنّ العلماء لاحظوا تباينًا ثقافيًا في تفسير العلاقة بين الطقس والمزاج. ففي الدول الإسكندنافية، حيث يغيب النهار لأشهر، طوّر الناس طقوسًا مثل “هيغيه” — وهي فلسفة دنماركية تقوم على الاستمتاع بالدفء المنزلي والأجواء المريحة — كوسيلة لمواجهة ظلمة الشتاء. أما في البلدان الحارّة، فيُنظر إلى المطر على أنّه تجديد للحياة وفرصة للتأمل.

الطقس، في النهاية، ليس مجرد حالة جوية، بل لغة صامتة تتحدّث بها الطبيعة مع مشاعرنا.
وربما حين نلاحظ تغيّر مزاجنا مع تغيّر الفصول، لا يكون ذلك ضعفًا أو ترفًا، بل انعكاسًا طبيعيًا لحقيقة بسيطة: نحن، مهما تقدّمنا، ما زلنا أبناء هذا الكوكب، نتنفّس معاه، ونبتسم مع شمسه، ونهدأ مع مطره.

خبر عاجل