#adsense

لماذا يتّجه العالم إلى النوم في العتمة التامة؟

حجم الخط

لم تعد غرف النوم المشرقة جزءًا من نمط العيش العصري، إذ اجتاحت منصّات التواصل خلال الأشهر الماضية موجة عالمية جديدة تُعرف بـ“الغرف المظلمة”، حيث يسعى الأفراد إلى خلق بيئة خالية تمامًا من الإضاءة، حتى تلك الصادرة عن شواحن الهواتف أو أجهزة التكييف. ما بدأ كتجربة بصرية يشاركها المستخدمون عبر “تيك توك” تحوّل إلى اتجاه عالمي مرتبط بالصحة الذهنية وجودة النوم.

ويقول اختصاصيون في علم النوم إنّ الدماغ يتفاعل بطريقة حسّاسة مع الضوء، حتى الخافت منه، إذ تبيّن أنّ أيّ مصدر ضوئي يمكن أن يؤخّر إفراز الميلاتونين الضروري للنوم العميق. وقد أظهرت دراسة فنلندية نُشرت عام 2025 أنّ الأشخاص الذين ينامون في غرفة مظلمة بالكامل يتمتعون بنوم أكثر عمقًا بنسبة 28% مقارنة بمن يتعرّضون لإضاءة خفيفة. والأكثر إثارة أنّ المشاركين لاحظوا تحسّنًا في التركيز خلال النهار، وتراجعًا في مستويات القلق.

الظاهرة ليست محصورة بالجانب الصحي فقط، بل أصبحت جزءًا من مفهوم جديد يسمّيه الشباب “ثقافة الراحة القصوى”. فبعد سنوات من التعرّض المستمر للشاشات والإشعارات والضوضاء الرقمية، يبدو أنّ فكرة الانغماس في ظلام تام تمنح الناس شعورًا بالتحرّر النفسي والهدوء. بعض المتابعين يصفون التجربة بأنّها “إعادة ضبط للدماغ”، بينما يرى آخرون أنّها مساحة للهروب من العالم، ولو لثماني ساعات فقط كل ليلة.

المثير للاهتمام هو ظهور سوق جديد حول هذا الاتجاه. فقد بدأت شركات متخصّصة في بيع ستائر معتمة بنسبة 100%، وأشرطة لسدّ فتحات الضوء الصغيرة في الأجهزة الإلكترونية، وحتى أغطية خاصّة توضع على أجهزة الإنترنت لتجنّب انعكاسات الضوء الأزرق. في المقابل، يحذّر بعض الأطباء من المبالغة في التطبيق، خصوصًا لدى الأطفال أو الذين يعانون من خوف من الظلام، إذ قد يتحوّل الأمر إلى ضغط نفسي بدلاً من وسيلة للاسترخاء.

خبير السلوكيات العصبية في جامعة كوبنهاغن أشار إلى نقطة مهمّة: “ليس الظلام وحده هو ما يحسّن النوم، بل الروتين المصاحب له”. فالأشخاص الذين يلتزمون بالنوم في العتمة غالبًا ما يتّبعون ممارسات أخرى مثل إغلاق الهاتف قبل النوم بساعة وعدم تناول الكافيين مساءً.

ومع أنّ بعض المنتقدين يعتبرون الظاهرة مجرّد “ترند رقمي”، فإنّ الواقع يشير إلى أنّها مرتبطة ببحث عالمي عن جودة حياة أفضل. ففي عالم سريع الإيقاع، مفعم بالإجهاد البصري والمعلومات المتلاحقة، يختار كثيرون الانسحاب إلى مساحة مظلمة تمنحهم السكينة.

في النهاية، سواء كانت الظاهرة ستستمر أم ستتراجع مع ظهور اتجاهات جديدة، يبقى المؤكّد أنّ الإنسان الحديث يبحث باستمرار عن وسائل بسيطة تمنحه راحة نفسية، وقد تكون غرفة مظلمة بالكامل إحدى تلك الوسائل التي تجمع بين العلم والتجربة الشخصية.

خبر عاجل