
لا يمكن للبنان أن ينهض أو يتعافى، أو يرى دولاراً واحداً لإعادة الإعمار، طالما قرار الحرب والسلم مرهون بـ”الحزب” الذي يحتكر السلاح ويضع السيادة اللبنانية في مزاد المساومات الإقليمية. فعقلية “الحزب” تعتبر الأرض ورقة تفاوض وأن السلاح فوق الدولة، وتصرّ على جرّ لبنان من كارثة إلى أخرى، اذ تحوّل البلد إلى رهينة، يُحتجز اقتصاده عند فوهة بندقية غير شرعية، وتُبتز علاقاته الدولية تحت خدعة “المقاومة” التي لم تجلب سوى العزلة، العقوبات، والانهيار الشامل. واليوم، بينما يمدّ العالم يده لتحقيق السلام، يبتر “الحزب” فرص لبنان في التعافي. لكن الحقيقة باتت واضحة، لا تعافي مع السلاح، ولا سيادة واقتصاد مع دويلة تعيش من دون أي محاسبة و”تغرد خارج السرب”.
في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، يقول الخبير في المخاطر المصرفية والمالية محمد فحيلي، إنّ سؤال السيادة لم يعد ترفاً نظرياً في لبنان، وإنّ المطلوب هو الانتقال من ردّ الفعل إلى سياسة تنفيذية واضحة، بالمراحل والجداول الزمنية، تستفيد من نافذة سياسية وأمنية قد لا تطول.
يشير فحيلي، إلى أنّ تنفيذ القرار 1701 جنوباً وبسط سلطة الدولة، هو المدخل الأساسي، إذ إنّ “لا استثمار بلا أمن، ولا إقفال مالي بلا امتثال”، مؤكداً أنّ أي تعهّدات استثمارية ستبقى “رهناً بمدى تطبيق الـ1701 وضبط الخروقات جنوب الليطاني”.
يشدّد فحيلي، على أنّ الأسرة الدولية تربط بوضوح بين الاستقرار الأمني وبين الدعم المالي، مضيفاً أنّ معادلة المرحلة هي “الأمن مقابل التعافي”، اذ يمكن للبنان أن يحوّل هذا الربط إلى “اتفاق إطار تنموي–أمني محسوب: التزام لبناني واضح بتطبيق الـ1701 عبر آلية مراقبة مشتركة وقياس شهري للمخالفات جنوب الليطاني، مقابل تعهّد دولي بحزمة تمويل لإعادة الإعمار والبنى التحتية والطاقة”.
أيضاً يُبرز فحيلي، أنّ أي مسار نحو التعافي المالي مرتبط مباشرة بقدرة الدولة على “حصر السلاح بالمؤسّسة العسكرية بالتنسيق مع اليونيفيل”، معتبراً أنّ التنفيذ الفعلي لهذا المسار يجعل من القرار 1701 “نظاماً قابلاً للمتابعة لا مجرّد شعار”.
ويرى فحيلي، أنّ هذا المسار يُعيد للبنان السيادة القابلة للقياس، ما يفتح الباب أمام التحوّل من “إدارة الانكماش إلى صناعة اليقين”.
وفي سياق قضية إعادة الإعمار، يذكّر فحيلي بأنّ وفد البنك الدولي الذي زار لبنان جاء “لتقييم أولويات التعافي والإعمار، وجال في الجنوب المنكوب”، وأنّ البنك الدولي “مستعدّ لتمويل ورشة الإعمار، إذا رأى دولة تخطّط وتنفّذ بشفافية وكفاءة”. ويشير، إلى أنّ قرض الـ250 مليون دولار لإعادة الإعمار هو “فرصة نادرة لوضع لبنان على خريطة الاستثمار”، لكنّها فرصة مشروطة بقدرة الدولة على تنفيذ القرارات الدولية وعلى تطبيق الإصلاحات التي التزمت بها.
كما يُشدّد فحيلي، على أنّ الدعم الدولي ليس مفتوحاً بلا شروط، لافتاً إلى أنّ “الأسرة الدولية تقول للبنانيين: نحن مستعدّون لتمويل إعادة الإعمار، شرط الشفافية والحوكمة… ونحن مستعدّون لفتح نوافذ النظام المالي، شرط ضبط التهريب والتبييض وتمويل الشبكات المسلحة”.
يرى فحيلي، أنّ نظافة النظام المالي شرط أساسي لأي انفراج اقتصادي، موضحاً أنّ واشنطن “تريد تشديد الخناق على شبكات تمويل “الحزب”، عبر استهداف الصرّافين، والشركات الواجهة، وكل من يستغلّ الاقتصاد النقدي في لبنان لتمرير أموال مصدرها إيران”. ويؤكّد، أنّ الخروج من قوائم المخاطر الدولية يُعدّ خطوة محورية، إذ إنّ “العناية الواجبة تتحوّل من عقبة تعرقل الحركة، إلى جسر يعيد لبنان تدريجياً إلى النظام المالي العالمي”.
ويخلص فحيلي، إلى أنّ الأسرة الدولية “لن توقّع شيكاً على بياض لمنظومة أفلست البلد”، بل ستربط أي دعم بمدى تطبيق لبنان لالتزاماته الأمنية والمالية، وبقدرته على فرض سيادته كاملة جنوباً وفي النظام المالي. ويؤكّد أنّ الفرصة لا تزال قائمة، لكنّها “نافذة قصيرة”، وأنّ استعادة السيادة، بما فيها احتكار الدولة للسلاح، هي الشرط الأول قبل أن يبدأ الاقتصاد اللبناني مسار التعافي الفعلي والقدرة على جذب الأموال والاستثمارات وإعادة الإعمار.
في نهاية المطاف، ليس المطلوب معجزة كي ينهض لبنان، بل خطوة واحدة: أن تتوقف منظومة السلاح غير الشرعي عن خطف الدولة وخنق شعبها. كل دولار ينتظره لبنان، وكل فرصة إعادة إعمار، وكل مشروع استثماري، معلّق برقبة جهة واحدة قرّرت أنّ لبنان مجرد ساحة لا دولة، وأن سيادته تفصيل أمام حساباتها الإقليمية.
فالمشهد أصبح واضحاً للجميع: إمّا أن يسلّم “الحزب” سلاحه وتقوم الدولة، أو يبقى السلاح ويستمر الانهيار ويضيع الوطن بالكامل. من يرفض ذلك، لا يدافع عن لبنان، بل يدافع عن نفوذه؛ ومن يخشى نزع السلاح، يخشى أن ينهار مشروعه لا بلده. أمّا لبنان، فلم يعد يحتمل، ولن ينهض ما دام رهينة سلاح لا يعترف بدولة ولا بدستور ولا بشعب.
ومع أنّ التحديات كثيرة، غير أن اللحظة الحالية تشكّل فرصة حقيقية لعودة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية، شرط أن تتوحّد المرجعيات الأمنية وأن تستعيد المؤسسات الرسمية موقعها الطبيعي. عندها فقط يمكن أن تبدأ ورشة إعمار “الثقة” التي فقدها لبنان لسنوات. فهل يملك لبنان فرصة للنجاة.. قبل أن يُستكمل تدميره على يد من يدّعي حمايته؟.