.jpg)
لا يزال الملف الأكثر حساسية وتفجيراً في لبنان، وهو سلاح “الحزب”، يلقي بظلاله القاتمة على كافة مفاصل الدولة، ويضعها في حالة تدهور مستمر على الصعيدين الداخلي والخارجي، فسياسة التغاضي والمراوغة التي انتهجها بعض الأطراف اللبنانية في إدارة هذا الملف المعقد، أدت إلى نتائج وخيمة، كان أحدثها الرسائل التحذيرية القاسية التي تلقتها بيروت من واشنطن.
تجسد سوء إدارة ملف السلاح أخيراً في قرار الإدارة الأميركية إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني المُرتقبة إلى واشنطن. هذا الإلغاء، الذي بدا مفاجئاً للبعض، لم يكن سوى رسالة صريحة ومباشرة من الولايات المتحدة إلى بيروت، والرسالة مفادها أن “الشعارات لا تُعيد لبنان إلى سكة التعافي”، ولا يمكن أن تُبنى دولة ذات سيادة حقيقية طالما بقي ملف السلاح خارج إطار الدولة وسلطتها.
يرى مراقبون أن واشنطن، من خلال هذا الإجراء العقابي، أرادت أن توصل إنذاراً واضحاً لمن يدير هذا الملف من الداخل اللبناني: إن استمرار التراخي والتغطية على وجود هذا السلاح الموازي، سيترتب عليه عواقب وخيمة على الدعم الدولي والمساعدات الضرورية التي يحتاجها لبنان لإنقاذ اقتصاده المنهار، فالدولة لا يمكن أن تطالب بـ “التعافي الاقتصادي” بينما هي عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على أراضيها.
وفي هذا السياق، أعربت مصادر وزارية عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن أسفها الشديد للحال الذي وصل إليه لبنان، مؤكدة أن كل ما يحدث من إهانات دولية بحق لبنان ليس سوى نتيجة مباشرة لـ”التراخي في ملف تسليم سلاح ‘الحزب'”. هذا التراخي يضع الدولة في موقف ضعف دائم أمام المجتمع الدولي الذي يرى في هذا السلاح عائقاً أمام أي استثمار جدي أو استقرار طويل الأمد.
على صعيد آخر، وفي ظل التصعيد الإقليمي والضبابية التي تلف مستقبل لبنان، تتكشف مخاوف جديدة تتجاوز حدود العمليات العسكرية المباشرة، إذ تكشف مصادر خاصة لموقع “القوات اللبنانية” عن تحذيرات مقلقة، مفادها أن الحرب تبدو أسهل بكثير مما يمكن أن يتعرض له لبنان في حال قرر المجتمع الدولي التعاطي مع لبنان كدولة معزولة. هذا الطرح يقلب الموازين ويضع التركيز على الخطر الوجودي الأعمق الذي يهدد ما تبقى من مقومات الصمود الاقتصادي في لبنان.
تتمحور فكرة هذا التحذير حول مقارنة بين مسارين كارثيين. فالحرب، بفظاعتها ودمارها، هي في نهاية المطاف عملية لها سقف زمني محدد، ستنتهي حتماً باتفاق أو بحل دائم مهما طال زمن الاشتباك، وفي أعقابها، غالباً ما تتدفق المساعدات الدولية وعمليات إعادة الإعمار، ما يفتح نافذة ضيقة للنهوض.
أما سيناريو العزلة الاقتصادية والحصار الدولي، فهو الخطر الأشد فتكاً. هذا السيناريو لا ينتهي بسرعة، بل يعمل كتآكل صامت يجهز على كل ما تبقى من أمل في التعافي، والعزلة تتضمن، “تجفيف التحويلات، توقف تدفق الدولارات والمساعدات الحيوية، بالإضافة إلى فرض عقوبات غير مباشرة تعيق التبادل التجاري، وعزل البنوك والقطاع الخاص، مما يوقف الاستثمار.
تشير المصادر إلى أن قرار المجتمع الدولي بالانتقال إلى “التعاطي مع لبنان كدولة معزولة” ليس قراراً تعسفياً، بل هو رد فعل على سلوك سياسي داخلي معين، فعندما تتحول الدولة إلى رهينة لقرار قوى خارجة عن سلطتها، وتصبح سياستها الخارجية مرهونة بجهة إقليمية معينة، فإنها تفقد صفة الشريك الموثوق به دولياً.
