
تستغرب مصادر قانونية، متخصصة في الشؤون المالية والاقتصادية، كيف أن المسؤولين اللبنانيين، في كل مناسبة وعند كل محطة، يتسابقون على إبراز دور كل واحد منهم في الحفاظ على الودائع والتأكيد على أن قضية عودة الودائع إلى أصحابها “محسومة”، فيما الحقيقة، أن الودائع لا تزال “أسيرة ومحتجزة”، ولا تفاهم أو اتفاق في العمق بين مختلف الأطراف المسؤولة، الدولة ومصرف لبنان والمصارف، حول حسم هذه المسألة ورسم خريطة طريق واضحة وشفافة لإعادة الودائع إلى أصحابها.
وتعتبر المصادر، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن التصريحات المتكررة التي يطلقها المسؤولون عن “ضمان الودائع” و”عودة الحقوق إلى أصحابها”، تثير موجة واسعة من الريبة بين المواطنين، لا سيما المودعين الذين باتوا لا يثقون بأي إعلان رسمي لا يُرفَق بخطوات تنفيذية واضحة وشفافة. ففي كل مناسبة، يتسابق أهل السلطة والمصرف المركزي وبعض أركان القطاع المصرفي إلى تأكيد حرصهم على أموال الناس، غير أن الواقع لا يزال يعاكس هذه الوعود، إذ إن لا خريطة طريق حقيقية حتى الآن لإعادة الودائع، ولا اتفاقاً فعلياً بين الدولة ومصرف لبنان وجمعية المصارف يُبنى عليه الأمل بإيجاد حل جذري وعادل.
تضيف المصادر ذاتها: “فيما يُقال إن الحسابات الصغيرة تُسترد تباعًا وفق تعاميم مصرف لبنان، تبقى الحقيقة أن هذه الحسابات تتآكل يوماً بعد يوم، بفعل التضخم وانخفاض القدرة الشرائية، إذ تُدفع للمودعين بغير قيمتها الفعلية، ما يجعلها أشبه بعملية “تصريف خسائر” أكثر منها إعادة الحقوق إلى أصحابها”.
المصادر تشدد، على أنه من واجب المسؤولين مصارحة الناس، إذ من الواضح أن سياسة التدرج والمماطلة لا تُقنع أحداً، بل تُفاقم الشعور بانعدام العدالة وانعدام الثقة، ما يُهدد مستقبل القطاع المصرفي والاقتصادي ككل. المطلوب ليس شعارات تطمينية، بل خطة موحدة شفافة تحدد المسؤوليات والخسائر وأسس توزيعها بشكل عادل. فغياب الحل الجذري يعني أن الأزمة ستبقى قنبلة موقوتة، تهدد أي استقرار مالي أو سياسي في لبنان وتُبقي المودعين في موقع الضحية، وسط نظام عاجز عن اتخاذ القرار أو غير راغب في تحمل الكلفة السياسية للإصلاح الحقيقي.
وتؤكد المصادر نفسها أنه من الناحية القانونية، إن حقوق المودعين محمية بموجب القوانين اللبنانية، ولا سيما قانون النقد والتسليف، الذي يفرض على المصارف الحفاظ على الودائع وتسديدها عند الطلب. لكن ما جرى فعلياً منذ العام 2019 يُظهر أن هذه القوانين باتت مُجمّدة فعلياً، في ظل غياب تشريعات استثنائية تنظّم توزيع الخسائر أو تعيد هيكلة القطاع المصرفي بطريقة تحفظ الحقوق. حتى الآن، لم يصدر أي قانون ملزم يحدد جدولاً زمنياً لإعادة الودائع أو آلية لتوزيع الخسائر بين الدولة، المصارف، ومصرف لبنان. وهو ما يخلق فراغاً قانونياً خطيراً يُستغل لتكريس الأمر الواقع.
كذلك، من الناحية الاقتصادية، تتابع المصادر: “لا يمكن لأي خطة تعافٍ أن تنجح من دون معالجة أزمة الودائع. فاستعادة الثقة تتطلب إعادة هيكلة جدية للقطاع المصرفي، وخطة مالية تُظهر بوضوح حجم الفجوة المالية وتوزيعها بعدالة”، مؤكدة أن “أي مسار تعافٍ لن يكون قابلاً للحياة من دون ضخّ أموال جديدة، سواء من خلال استثمارات أو مساعدات خارجية، وهذه لن تأتي ما لم تُطبّق إصلاحات شفافة تبدأ من معالجة ملف الودائع. كما أن استمرار التآكل النقدي للقيمة الفعلية للودائع سيؤدي إلى تدمير شبه كامل للطبقة الوسطى، ويدفع بالمجتمع نحو مزيد من الانقسام والتفكك الاقتصادي والاجتماعي.