#dfp #adsense

سمعان القيرواني “لملحم الرياشي” (عمر سعيد)

حجم الخط

ملحم الرياشي فلّاح بالفطرة، يتقن بذر القمح فوق حقول الجائعين، كما يبذر الكلمات في وجدان القرّاء.

في إصداره الجديد «سمعاني القيرواني» والصادر عن دار سائر المشرق بقرابة 90 صفحة، وبلغة شاعرية رشيقة، رفّافة كأجنحة فراش الربيع؛ حوّل حكاية سمعان القيروان إلى نصٍّ إبداعي، جعلني لا أطيق الخروج من إصداره بسهولة.

فالرجل الذي حمل صليبًا، كما يحمل الفلّاح حبّة قمح إلى سفح، يكاد يخلو من التراب، بدا في الحكاية التي اشتعلت يومًا على طريق الجلجلة، أكثر من عابر سبيل.

بدا ريفيًّا يشبه أهل القرى حين يفدون إلى المدينة.

يَصِلُونها بثياب تفوح منها رائحة الترابٍ والحطب، لشدّة ما حملوا فوق أكتافهم من تعب الحقول والمواسم.
بدا ريفيًّا يحمل شهوة البيع والشراء.

إلّا أن القدر، ذلك الفلّاح العتيق، الذي يزرع مصائر البشر كما يزرع القمح في تراب القرى، التقط سمعان من بين الحشد، ثمّ وضعه حيث لم يكن يتوقّع، تحت خشبةٍ تقطر دمًا.

كانت المرّة الأولى التي يخيب فيها ظنّ سمعان بالخشب، فلكم ظنّ أنّه لا يُحمل لغير الفقراء، ولأجل دفئهم والإيواء.
رأى الخشب ألمًا، وقد أسال دم الأبرياء.

فحمل الصليب، ومشى، ليتنبّه بعد خطوات إلى أنّه حمل سؤالًا، إلى اليوم لم يلقَ إجابة.
أي دافع يجعل الإنسان يحمل ألمًا عن سواه؟

لم ينحنِ سمعان تحت الخشب لوحده، إنما انحنى فقراء الأرض ومعذّبوها معه؛ نزلوا يحملون أوجاع غيرهم، ويتقاسمون تقوس الظهور تحت أسواط الألم…
ومشى سمعان من دون تردّد أو عناد، كان همّه ألّا يسقط في الطريق، فينهزم المساكين خلفه.

مشى، يحمل دلاء رحمة وخرجًا عبأه بقمح التضحية؛ سيظلّ يطعم الناس ما جاعوا.

كانت لحظة أعادت ترتيب الأولويّات في حياة سمعان.

لحظة التقى فيها اللهَ لأوّل مرّة وجهًا لوجه.

لم يأبه بمغزى ما يحدث.. لم يبالِ بأسرار التجربة، انحنى ونهض بالخشب استجابةً لأنينٍ؛ أوجع روحه حين سمعه.

أراد أن يسند ما تكسر من رجاءات بدت في عينَيه، كما يسند المسموك الدالية، ليرفع عناقيدها في وجه الشمس.

كان جاهلًا يحمل آلام عارفٍ، ولأوّل مرّة في التاريخ. تمامًا كما يَهبُّ الفقراء لتلبية نداء استغاثة، يمدّون أكفهم قبل ألسنتهم المتسائلة.
لم يكن فيلسوفًا، لكنّه فهم العلاقة بين الحبّ وقطرات الدماء.

فلا حياة بغير الصلب.
تمامًا كالمطر، لا يحيا إلّا إذا سقط.

لم يشعر بالتعب، لم يشعر بالألم، كان يحسّ بمن حمل عنه الصليب.

رأى الدم على كتفه، فتحسّس الخشب، واستفاق على قسوة الولادة.

أدرك القيرواني أن العدل لا ينبع من صراخ الجلّادين، إنما من أنين المتألّمين.
وببساطة فهم السرّ.

لم يكن يملك أكثر ممّا قدّم: كتفًا اتّسعت للحطب، وقلبًا أفسحَ لآلام غريب، لا يعرفه.
التقت عيناه بعينَيه، فعاش نعمة الإنقاذ، ونعمة السير خلف عاجزٍ لا حول له ولا قوّة.

لقد جعل سمعان من جسده ترابًا أنبت الحبّ.
تلك هي باختصار صلاة ملحم الرياشي في كتاب، تنهي آداءها بجلسة واحدة، لكنك لن تنتهي من خشوعها وقتما تشاء.

المصدر:
monliban

خبر عاجل