#adsense

محمد خاتمي: وجود المرشد وغيابه سيّان!

حجم الخط

صحيفة النهار – علي حمادة

 

من المهم الإضاءة على مواقف أدلى بها أخيراً الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي خلال اجتماع لـ”جبهة الإصلاحات”، إذ تحدث بلهجة دراماتيكية عن حال إيران بعد الحرب. أكثر من ذلك تحدث عن حال النظام نفسه الذي يواجه حسب تعبيره “خطر الانهيار”!

 

ويعتبر هذا الكلام بمثابة جرس إنذار صارخ للنظام في إيران الذي يواجه تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بأبعادها كافة، لا سيما وأن خاتمي وصف الوضع الإيراني الحالي قائلاً: “إن إيران لم تشهد أزمة مماثلة للتحديات الحالية والتهديدات القائمة” منذ قيام الثورة وحتى اليوم. شبّه خاتمي إيران بـ”الشجرة الوارفة”، شارحاً أن “هذه الشجرة القوية قد تصمد لسنوات طويلة في مواجهة الجفاف والعواصف، لكن اليوم التهديدات داخلية وخارجية، والمشكلات كثيفة وكبيرة إلى درجة أن هناك خوفاً من أن تذبل فجأة وتسقط، وهذا أمر نرجو ألا يحدث”. والأهم أن خاتمي تجاوز دور المرشد الحالي علي خامنئي ومكانته في البلاد قائلاً: “إن نحو 80 في المئة من الإيرانيين ليسوا مسيسين بالمعنى الحقيقي ولا يهمهم كثيراً من هو الحاكم وكيف يدار الحكم”. لكن خاتمي عاد واعتبر أن الوصول إلى الديموقراطية خيال والأجدى الاستفادة من تجارب دول أخرى مثل الصين!

 

عملياً يمثل موقف محمد خاتمي تخطياً للخطوط الحمر لجهة عدم إيلاء أهمية لشخص المرشد ولا لمكانته ولدوره المميز في الحياة العامة والخاصة للشعب الإيراني. كلامه يشبه القول إن وجود المرشد كغيابه اليوم، لم يعد ذا أهمية نظراً لضخامة المشكلات التي تواجهها إيران.

 

وبالرغم من أن خاتمي يستبعد تحولاً نحو الديموقراطية، فإنه يميل بسبب كونه جزءاً من الدولة العميقة والنظام إلى تحول ينقل إيران من حالة الدولة الدكتاتورية الدينية ذات الطبيعة التوسعية تحت عنوان الدين والمذهب إلى تجربة دكتاتورية مدنية عسكرية مطعُمة بالهوية الدينية.

 

ما من شك في أن مشاكل إيران ليست وليدة الأمس القريب؛ لأنها تعاني من مشكلات بنيوية حادة جداً على مختلف الأصعدة السياسية، الأمنية، الاجتماعية، الثقافية، الإثنية والجيوسياسية. إنما من المستحيل تجاوز عامل حرب الأيام الـ12 التي خاضتها ضد إسرائيل في شهر حزيران/يونيو الفائت عندما سقطت هيبة النظام ووصلت إلى الحضيض مع انهيار دفاعاتها الجوية ونجاح إسرائيل في احتلال سماء العاصمة طهران على مدى أسبوعين متتاليين، وفشل كلّ من “الحرس الثوري” والجيش النظامي في منع استباحة الأجواء الإيرانية، لا خلال الحرب مع إسرائيل، ولا خلال الهجوم الأميركي على المنشآت النووية بقاذفات الـ”بي- 2″ الاستراتيجية الآتية من قواعدها في ولاية ألاباما في الولايات المتحدة.

 

وقد مثلت هذه الحرب حداً فاصلاً بين مرحلة التعبئة والدعاية السياسية والحرب النفسية التي مارسها النظام طوال عقود من الزمن قام خلالها بضخ أوهام في عقول الجمهور، وبين مرحلة الاستيقاظ من غفلة الأوهام والمزاعم بامتلاك قوة لا تقهر. هذه الحرب أججت كل الأزمات التي كانت القبضة الفولاذية للنظام قد حاصرتها وكتمتها بالقوة والعنف الداخليين. ولعل أهم نتائج تلك الحرب أنها كشفت نظاماً وأيديولوجيا أصابهما الهرم. ومن هنا لا يمكن الاستهانة أبداً بتداعيات هذه الحرب التي دمرت سرديات النظام، وكشفت عجزه ليس في القتال فحسب، وإنما في مواجهة الأزمات التي تحدثنا عنها سابقاً، وهي التي تمس حياة عشرات الملايين من المواطنين الذين لا يهتمون كما قال الرئيس خاتمي بمن يحكم البلاد. بمعنى أن أكثرية الشعب لا تبالي بالقيادة، بل إنها تهتم بالإنجازات التي تتحقق أو لا تتحقق.

 

لقد شاخ النظام وشاخت معه أدواته في الإقليم من لبنان إلى العراق. واكتشف أبناء تلك الدول زيف الشعارات المرفوعة، والتي بظلها حصلت انهيارات على مختلف الصعد. كما واكتشفت البيئات الحاضنة للمشروع الإيراني عقم النموذج الذي قدمته إيران الثورة لها، وآثاره المدمرة.

 

بناء على ما تقدم فإن الاستنتاج الوحيد الذي نخرج به يتلخص في القول بأن لا مخرج للنظام في إيران من أزماته، نظراً لاستحالة تقديم مخارج مناسبة للأزمات الخانقة التي تعاني منها البلاد. وإذا ما أخذنا في الاعتبار “ثورة المرأة” التي انفجرت في أعقاب قتل رجال “شرطة الأخلاق” التابعة للنظام المتشدد دينياً للشابة الإيرانية مهسا أميني، وكيف أحدثت زلزالاً سياسياً، وأمنياً وثقافياً عميقاً، وعطفناها على آثار حرب الأيام الـ12 التي وجه فيها الخارج ضربة قاسية جداً فانهارت فيها سرديات القوة والتفوق والمناعة الأمنية، فإن خلاصتهما تشيران إلى أن إيران الثورة تسير بخطى ثابتة على طريق الاضمحلال الذي ستتسارع خطاه مع خروج المرشد علي خامنئي من المشهد في المدى القريب أو المتوسط.

المصدر:
النهار

خبر عاجل