.jpg)
أن تخطئ الشعوب في تقرير مصيرها لحظة تقاطع المصالح الدولية ظنًّا منها أنّها تحقّق مكسبًا وطنيًّا قد لا يتكرّر، ينتج استقلالا هشًّا نبّه منه الحكماء والعظماء أمثال الشيخ جواد بولس والرئيس إميل إدّه، الذي كان رئيسًا للجمهورية اللبنانية في المرة الأولى من العام 1936 حتى 1941؛ ثمّ لمرة ثانية لمدّة 11 يومًا فقط في السنة 1943 بعد أزمة الاستقلال، قبل أن يُجبر على التنحي.
وكان يعتبر إدّه أن فرنسا هي “الحامية الطبيعية” للمسيحيين وللبنان. وكان يرى أن استقلال لبنان يجب أن يتم تدريجيًا وبضمانات دولية، بينما بشارة الخوري والكتائب كانوا يدفعون إلى استقلال سريع وكامل.
ويومذاك نبّه الرئيس إدّه أنّ الاستقلال الضعيف بلا معاهدة مع فرنسا وضمانات دولية سرعان ما سينهار، ولن نتمكّن من بناء دولة على قدر تطلّعاتنا كلبنانيين.
خوّنوه وفرنسوه وأطلقوا عليه صفة ” العميل”. وفي انتخابات 1947 النيابية حصلت المنافسة بين الشيخ جواد بولس المقرب من خط الرئيس إدّه، وحميد فرنجية المحسوب على الرئيس بشارة الخوري. ففاز فرنجية بدعم من الدولة وقتذاك، وطوق أنصاره بيت الشيخ في زغرتا وحدثت اضطرابات محلية. وتمّ الاعتداء على مكتب مقرّب من الرئيس إميل إدّه في طرابلس،(ولم تتجرّأ أي صحيفة في تلك المرحلة الاضاءة على هذه الحادثة كي لا تعتبَر ضدّ الحكم وقتذاك).
وتوالت الأزمات لأن هذا الاستقلال لم يكن مبنيًّا على صخرة صلبة؛ فلم يستطع اللبنانيون أن يمنعوا الخطر الاسرائيلي المتنامي الذي توِّج في العام 1969 بعملية تشارك سيادي بين الدولة اللبنانية المتبقية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وحتى الاطماع السورية بجعل لبنان المحافظة رقم 15 في تركيبة سوريا الأسد. زد على ذلك، سوء الإدارة الداخلية بين المكونات الحضارية التي كان عمادها النظام المركزي.
هذه كلها كرّست وجود دولة موجودة، وغير حاضرة. فيها نور، ولكن لا ضوء فيها. فيها ماء لكن لا حياة لكل منبتٍ فيها. فيها تكاؤن، لكن لا تآخي فيها.
وهذه الاشكاليات كلها دفعت الجريئين أمثال الرئيس كميل شمعون والدكتور شارل مالك في اجتماعات دير سيدة البير، زمن الجبهة اللبنانية، لطرح الدولة الاتّحادية التي تعتمد النظام الفدرالي. لكن المحور الذي كان يتبنى الطروحات القومية، وزجلية معاداة الغرب وأميركا ورمي إسرائيل في قاع البحر، نجح بشيطنة هذا الطرح، وتخوين كلّ مَن يتجرّأ على الحديث به بأنّه تقسيمي، ولا يريد الدولة اللبنانية.
ومنذ تلك اللحظة أي منذ 82 عامًا وحتّى اليوم، صحيح أنّ لبنان نجح بالاستقلال عن فرنسا، لكنّه لم ينجح لنفسه بهذا الاستقلال. وعندما دقّ الخطر على أبواب حقيقته الكيانيّة انبرت مجموعة من المقاومين فسطّرت ملاحم من البطولات لتحافظ على هذه الكيانيّة. هؤلاء أنفسهم الذين خوّنوا مَن أرادوا عن حقّ بناء لبنان الجديد، خوّنوهم وقالوا عنهم ميليشيات و”زعران”. ونجحوا بتربية أجيال لم يكونوا في تلك المرحلة حتّى في لبنان على ثقافة الكراهية لمن بذل دماءه فداء لبقاء لبنان يوم قرّر بعضهم الهرب مرتديًا “بيجامته”.
سامحنا وغفرنا وتصالحنا مع كلّ هؤلاء ظنًّا منّا بأنّهم فعلًا يريدون بناء لبنان. لكن علّمتنا التّجربة بأنّ بعضهم لا يستحقّ حتّى الثقة لأنّه هو مَن أنكر لبنانيّته وأعلن انضمامه للبعد الايديولوجي الأوسع. وبعضهم الآخر لم يرَ في لبنان إلّا كرسيّ في وزارة أو في المجلس النيابي لو أنّ أترابه رؤوا فيه بعد زمن ” إبن الصبحا” ولكن في new look. إلّا أنّ المبدأ ذاته.
ما دفعنا كلّ هذه التضحيات والدّماء والدّموع إلّا لنبني استقلالنا على صخرة صلبة، تمامًا كالبيت الذي أوصانا ببنائه ربّنا وإلهنا. فلأنهم بنوه على رمل، سرعان ما سقط الغيث سقط هذا الاستقلال. إن لم نتّعظ بعد تجربة 82 سنة من الاستقلال من هذه التجارب كلّها، فهذا يعني أنّنا لا نستحقّ وطنًا.
ولكن لأنّنا قدّمنا أغلى ما عندنا، يقيننا هذه المرّة أنّ الاستقلال المقبل بعد العاصفة العاتية سيكون على صخرة صلبة قوامها دولة اتّحاديّة -حياديّة لا تتزلزل. ولن تسقط في شتاء تقاطع المصالح الاستراتيجيّة، بل العكس تمامًا؛ إن لم يدرك القيّمون هذه الحقيقة ويتلقّفوا اللحظة ليكون استقلالنا الثالث على صخرة صلبة فعندها سيكون لهم استقلالهم ولنا استقلالنا لأنّ منطق الوجود يأبى الموت، ومنطق الحضور يأبى الاستسلام. وما خلقنا لنموت. وما حيينا لنعيش بذلّ بل بكرامة