لا يعني عيد الاستقلال شيئًا من دون وجود دولة مستقلة وفعلية تبسط سلطتها على كامل أراضيها، بحيث لا يكون فيها سلاح خارج منظومتها العسكرية والأمنية المتمثّلة بالجيش اللبناني والأجهزة الأمنية. وهنا بيت القصيد بالنسبة إلى “القوات اللبنانية”. وقد يكون السبب في اختلافها مع بعض القوى السياسية اللبنانية أنّ هذه القوى تتسابق للاحتفال بذكرى استقلال لبنان، فيما هي لا تزال تهادن “الحزب” المموَّل والمسلَّح من إيران، فكيف يصحّ ذلك؟
تُتَّهم “القوات” بافتقارها إلى الليونة في هذه القضية الحسّاسة، بل تبدو الأكثر راديكالية. لكن لهذا الأمر أسبابه ومبرّراته، وأهمها أنّ “القوات” مقتنعة بأنه لا يمكن النهوض بالدولة ومؤسساتها والإمساك بقرار السلم والحرب ما دام بعض المسؤولين في الدولة يراعون خواطر “الحزب” الذي يصادر القرار الاستراتيجي للدولة بواسطة سلاحه. وتشعر “القوات” أن أقوال هؤلاء المسؤولين في واد وأفعالهم في واد آخر.
هؤلاء يجب أن يخجلوا من الاحتفال بالاستقلال ما دام البلد ليس مستقلاً عن إيران راعية “الحزب”. وبالتالي، فإن مفهوم “الاستقلال” لدى “القوات” مختلف عن “استقلال” بعض المهادنين والمتحاذقين الذين يبتدعون صيغًا للتعايش مع سلاح “الحزب” خوفًا على السلم الأهلي كما يزعمون.
لطالما كانت “القوات” شديدة الحساسية تجاه من يغتصب استقلال وطن الأرز. وهكذا قاومت الفلسطيني ثم السوري، وبذلت 15 ألف شهيد ليبقى لبنان محافظًا على قيم استقلاله، على حريته وسيادته وعيشه المشترك. فكيف يريدون من “القوات” التعايش مع سلاح يدمّر يوميًا كل ما هو جميل في لبنان من استقلال حقيقي وحياد وتعددية وحرية واستقرار وازدهار وعيش كريم؟
ما لا يعلمه البعض أن “القوات” هي وريثة الأجداد الذين صنعوا هذا الكيان والذي نال استقلاله عن الفرنسيين في العام 1943. لكن هذا الاستقلال لم يحصل في ليلة وضحاها، بل هو نتيجة تراكم طويل من نضال الأجداد ومقاومتهم منذ فجر التاريخ، إذ رووا تراب هذه الأرض بدمائهم. فهذه الأرض التي اعتادت أن تتخضّب بدماء أبنائها هي أرض مقدّسة جعلت “القوات” تتعلّق بها وتحافظ عليها.
تلك الظاهرة تدلّ بوضوح على أن ما جسّدته “القوات اللبنانية” في أوقات الخطر الداهم من قدرة على المقاومة والنضال، هو ذروة الأمانة لنضال الأجداد وقدسية الأرض. فكان جواب الشباب المقاومين بصوتهم الهادر: لبّيك، لبّيك يا أرض بلادي!
هذه العقيدة التي حفّزت “القوات” على الصمود، قامت وتطوّرت بفعل إيمان رهبان ونسّاك وقدّيسين، مقاومين ومناضلين، قدّموا نماذج رافضة للتسلّط والظلم والاحتلالات باسم الحرية التي خلقها الله في أبناء هذه الأرض. تلك هي روح المقاومة التي نشأت عليها “القوات”: ملؤها زهد بالحياة، وانكفاء عن السهولة، ونبذ للميوعة، وتفضيل للاستقامة، وتسليم للحق، وترسيخ للبأس، وتجذير في الأرض، وتنشئة للفكر، وفي كل ذلك تثمين للحرية.
الاستقلال ليس احتفالاً تعيشه “القوات” مرة في السنة ثم تنساه لتتذكّره في السنة التالية، بل هو فعل إيمان مستمر وصون لمساحة الوطن: 10452 كيلومترًا مربعًا، التي أرادتها “القوات” أساسًا ومنطلقًا. وهي تعيش الاستقلال منذ تأسيسها: من الدير إلى المدرسة، ومن القلعة إلى الساحة، ومن المغارة إلى المنارة، ومن الجلّ الصغير إلى الجبهة المشتعلة، ومن الحقول الواسعة إلى بلاد الانتشار!
لن تفرّط “القوات” بالاستقلال الذي ورثته من الأجداد منذ مجاهل الأزمنة. هم زرعوا بذوره في أوديتنا المقدسة كما في أعماق قلوبنا، تلك القلوب التي نشروا فيها الإيمان، ليجعلوا منها أرضًا خصبة تنمو فيها الحرية، وليهيّئوا أذهاننا لننجز مستقبلاً أفضل، تسود فيه العدالة وتتوهّج فيه الكرامة.
إن مشروع “القوات” هو الاستقلال الحقيقي الذي لا يقبل في لبنان بوجود دولةٍ ضرّة للدولة اللبنانية، ولا يستوعب أي معادلة استعلائية من مكوّن مذهبي مسلّح مرتهن لإيران. فالوطن لا يزال سليبًا، ويبقى لـ”القوات” شرف الاستمرار في إنقاذ لبنان، وهي مستعدّة مع حلفائها الشرفاء لإنقاذه من براثن اللامبالاة والاستهتار.
