صحيفة “نداء الوطن” ـ العميد المتقاعد جوني خلف
في بلد اعتاد البعض تحويل التاريخ إلى مزرعة للتزوير، وذاكرة اللبنانيين إلى هدف للتلاعب، وحقائق الحرب والسلام إلى سلعة سياسية رخيصة، يعود اسم الدكتور سمير جعجع و”القوات اللبنانية” ليقف في قلب المعركة، لا لأنهم يبحثون عن سلطة أو موقع، بل لأن مشروع الدولة في لبنان يتعرض اليوم لأخطر عملية اغتيال سياسي منذ نهاية الحرب الأهلية. وحين يُستهدف من قاوم الوصاية، ومن واجه السلاح غير الشرعي، ومن دفع من عمره ومن حزبه ثمنًا باهظًا ليحافظ على سيادة لبنان، يصبح من واجب الصحافة الحرّة، قبل أي جهة أخرى، أن تقول الحقيقة كاملة، بلا تردّد ولا مواربة: إنّ القضية ليست قضية حزب ولا قائد، بل قضية وطن يُحاول البعض إعادته إلى عصر التبعية. وهذا المقال ليس مجرّد ردّ، بل إعلان مواجهة مفتوحة مع كل من يحاول تزوير التاريخ أو اختلاق وقائع تضرب جوهر مشروع الدولة.
منذ أربعة عقود، يقف سمير جعجع في قلب المعادلة اللبنانية كأحد أبرز الأصوات السيادية التي لم تُساوم يومًا على الحقيقة. في زمن كان فيه الوطن يقف على حافة الكارثة، كانت “القوات” القوة المسيحية الوحيدة التي اتخذت قرارًا وجوديًا بحماية مناطقها وناسها، ليس رغبة في سلطة، بل لأن الدولة تفكّكت، ومؤسساتها سقطت، والاحتلالات والمليشيات المتعددة صارت تتحكم بقرار الحرب والسلم. في مرحلة اختلط فيها الدم بالتراب، وقف جعجع كقائد مقاوم في وجه انهيار شامل للدولة اللبنانية.
منذ منتصف السبعينيات، كانت البلاد تتلقى الضربات من كل الجهات: منظمة التحرير الفلسطينية تسيطر على مناطق واسعة من لبنان، الجيش السوري يدخل ذريعة “ردع الحرب” ليصبح لاحقًا قوة احتلال كاملة، السلاح ينتشر بلا ضوابط، والحدود تُفتح أمام الجيوش والتنظيمات. في هذه الفوضى، برزت “القوات اللبنانية” كحائط صد داخل المناطق المسيحية، تمنع سقوط المجتمع اللبناني في يد القوى الخارجية، وتحاول حماية ما تبقى من مؤسسات الدولة. لم تكن الحرب اختيارًا، بل فرضًا، وكانت “القوات” جزءًا من معادلة وجودية كُتب عليها أن تحمل السلاح دفاعًا عن حياة الناس الذين تُركوا دون دولة ودون حماية.
ومع اقتراب نهاية الحرب، جاءت محطة الطائف عام 1989. “القوات اللبنانية” كانت أول من التزم بالاتفاق نصًا وروحًا. سلّمت سلاحها طوعًا، احترمت الدولة، واحترمت الدستور، ووقفت خلف الجيش اللبناني. في المقابل، بقي حزب الله خارج الاتفاق، محتفظًا بسلاحه تحت ذريعة “المقاومة” رغم انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000. وبقيت المخيمات الفلسطينية مسلّحة، في خرق مباشر للاتفاق. ولم يكتفِ حزب الله بالاستثناء، بل بنى منظومة أمنية وعسكرية كاملة خارج سلطة الدولة، امتدت لاحقًا إلى السياسة والقضاء والإعلام، محولًا لبنان إلى ساحة نفوذ إيراني.
أما “التيار الوطني الحر”، الذي يقدّم نفسه اليوم كحامل “مشروع الدولة”، فقد دخل الحياة السياسية من بوابة تفاهم مار مخايل، واضعًا نفسه في خدمة مشروع السلاح نفسه الذي عطّل الدولة. “التيار” أصبح الجسر السياسي الذي عبر فوقه السلاح غير الشرعي إلى المؤسسات، مانحًا “حزب الله” غطاءً مسيحيًا كان غائبًا منذ الطائف. لذلك فإن هجوم “التيار” اليوم على “القوات” ليس سوى محاولة لإخفاء دوره في انهيار الدولة وتدمير المؤسسات وتغليف التبعية بشعارات الفضيلة.
وبالعودة إلى مرحلة ما بعد الطائف، كان استهداف “القوات اللبنانية” جزءًا من مشروع معلن: إنهاء آخر قوة مسيحية سيادية مستقلة. ولتحقيق ذلك، لجأ النظام السوري إلى اختراع ملف كامل ضد جعجع: شهود زور، محاكمات سياسية، تهم ملفّقة، وقضاء يأتمر بالأجهزة الأمنية السورية.
11 عامًا أمضاها جعجع في زنزانة انفرادية، لا ضوء، لا نافذة، ولا علاقة مع العالم الخارجي، فقط إرادة صلبة نسفت كل محاولة لكسر الرجل.
وصرح في إحدى مقابلاته قائلاً : “لما كنت بثلاثة طوابق تحت الأرض، كنت جالسًا وبالي مرتاح، وكلي إيمان أننا سنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم .”
خرج جعجع من السجن لا منهزمًا بل أكثر قوة، بعدما أثبتت المحكمة براءته الكاملة، وأُسقطت كل التعهدات السورية التي بُنيت على التزوير.
أثبتت التجارب السياسية أن “القوات”ليست حزبًا تقليديًا، بل نموذجًا نادرًا في النزاهة والمحاسبة. لم يسجّل عليها أي ملف فساد، لا في الحكومات التي شاركت فيها ولا في المجالس النيابية. من كهرباء لبنان إلى الاتصالات إلى التعيينات إلى الصفقات المشبوهة… كانت القوات دائمًا صوتًا معارضًا للمحاصصة، حتى عندما كان ذلك يجلب لها العداء من كل الأطراف التي تغرق في الفضائح المالية.
على العكس، كانت القوى التي تهاجم “القوات” اليوم هي نفسها مَن شاركت في أكبر عمليات الفساد في تاريخ لبنان الحديث:
“التيار الوطني” كان العرّاب الأساسي لصفقات الكهرباء، التي كلّفت الدولة أكثر من 45 مليار دولار دون بناء معمل واحد.
“حزب الله” أمّن الغطاء السياسي الكامل لهذه الصفقات مقابل استمرار نفوذه الأمني والعسكري على الدولة.
من هنا نفهم سبب الهجوم الشرس على “القوات”: لأنها القوة المسيحية الوحيدة التي وقفت في وجه المشروع الإيراني السوري واللبناني الداخلي ،الذي سعى لتحويل الدولة اللبنانية إلى هيكل فارغ.
اليوم، يخرج “حزب الله” و”التيار” بحملات يومية على “القوات”، في الإعلام وفي مواقع التواصل، محاولين إخفاء مسؤولياتهم التاريخية في الانهيار الاقتصادي والسياسي.
وفي خضم هذه المواجهة المفتوحة، جاء البيان الصادر عن الدائرة الإعلامية في حزب “القوات اللبنانية” ليقدّم الدليل الأوضح على صحة ما قدّمناه في هذا المقال منذ بدايته. فبعد كل محاولات التشويه والتضليل التي اعتمدها محور الممانعة على مدى السنوات الماضية، خرج البيان ليفضح رواية “الوشايات” الملفّقة، مؤكدًا أنّ الدول لا تبني سياساتها على رسائل مدسوسة، بل على حقائق ومعطيات. وما قاله البيان اليوم لم يكن إلا تأكيدًا لما أسهبنا في شرحه: أنّ الهجوم على القوات ليس ردّ فعل على معلومات، بل محاولة للهروب من مسؤولية الانهيار، ولإخفاء الدور الحقيقي لمن جرّ لبنان إلى الحروب والعزلة والدمار. وهكذا، يصبح هذا البيان بمثابة شاهد حيّ على أنّ قراءة هذا المقال ليست موقفًا سياسيًا فقط، بل تحليلًا دقيقًا سقطت أمامه كل فبركات الخصوم.
وبعد أن قدّم البيان الدليل الواضح على صحة تحليلنا، يظهر السبب الحقيقي للهجمات المستمرة على القوات لأنها رفضت الرضوخ، ورفضت التنازل عن مشروع الدولة، ولأنها لم تمنح شرعية للسلاح غير الشرعي، ولأنها لم تسكت عن جرائم الفساد، ولأنها لم توقّع صك استسلام سياسي كما فعل آخرون. لكن “القوات اللبنانية” تستمد قوتها من الحقيقة:
– هي الحزب الذي سلّم السلاح، ولم يكن يومًا جزءًا من دويلة داخل الدولة.
– هي الحزب الذي قدّم آلاف الشهداء دفاعًا عن لبنان وليس دفاعًا عن نفوذ خارجي.
– هي الحزب الذي رفض الدخول في صفقات على حساب الناس.
– هي الحزب الذي أعلن صراحة أن مشروع “لبنان الدولة” لا يمكن أن يقوم بوجود سلاح غير شرعي.
– وهي الحزب الذي ما زال يملك القدرة الشعبية والنيابية التي تمنع أي طرف من تمرير مشاريع الهيمنة دون مواجهة.
وعندما نتحدث عن سمير جعجع، نتحدث عن قائد استطاع بعد كل المحاولات لإلغائه أن يقود المواجهة السيادية من جديد بصلابة استثنائية، مثبتًا أن الإرادة القوية والثبات على المبادئ يمكن أن تتغلب على كل أشكال الإقصاء والضغط السياسي.
أمّا اليوم، في ظل الانهيار الذي وصل إليه لبنان، تبدو القوات اللبنانية بقيادة جعجع آخر ما تبقى من فكرة الدولة. في زمن استسلام الطبقة السياسية لمصالحها الخاصة، يقف سمير جعجع كصوت وحيد يقول بوضوح:
لا دولة مع سلاح غير شرعي.
لا إصلاح مع فساد محمي سياسيًا.
لا استقلال مع تبعية للخارج.
لا سيادة مع منظومات تتلقى أوامرها من طهران وليس من بيروت.
ولذلك تحديدًا، يتعرض جعجع والقوات لحرب هي الأعنف منذ 2005. فالمشروع المقابل مشروع تعطيل الدولة يعرف أن سقوط القوات يعني سقوط آخر جدار يقف بينه وبين السيطرة الكاملة على لبنان.
لكن الحقيقة أقوى من الحملات.
والتاريخ أقوى من التزوير.
والشعب، مهما زُرعت في طريقه الأكاذيب، لم يعد يقبل أن يُعاد لبنان إلى عصر الوصاية.
ومع كل هذه المواجهات، تأخذ الخاتمة شكلًا واحدًا لا يحتاج إلى تجميل:
“القوات اللبنانية”، التي صمدت أمام الاحتلال، وأمام السجون، وأمام محاولات الإلغاء، ستبقى الحائط الذي يتحطم عليه كل مشروع يسعى لإسقاط الدولة.
سيهاجمونها، سيتهمونها، سيفبركون، سيكذبون…
لكنهم لن يتمكنوا من إطفاء حقيقة واحدة:
إن “القوات” بقيادة الدكتور سمير جعجع هي القوة التي ما زالت تقاتل من أجل أن يبقى لبنان دولة وليس ساحة.
وسيأتي اليوم الذي يسقط فيه كل من خان الدولة، وكل من تاجر بالسيادة، وكل من غطّى السلاح، وكل من شارك في الانهيار.
ويبقى من وقف في وجههم، ثابتًا، شامخًا، لا يساوم، ولا يستسلم، ولا يبيع وطنه.
وفي النهاية سيكتب التاريخ.
وهو لن يكتب إلا الحقيقة: إنّ “القوات اللبنانية” كانت وستبقى زلزال السيادة في وجه كلّ من حاول دفن لبنان.
